وقال عبد الواحد بن زيد : ما أحبّ شيئا من الأعمال يتقدّم الصبر إلّا الرضا ، ولا أعلم درجة أرفع ولا أشرف من الرضا ، وهي رأس المحبّة . وقال : الإجابة مقرونة بالإخلاص لا فرقة بينهما .
وحدّث مسلم العبداني قال : قدم علينا مرّة صالح المري ، وعبد الواحد بن زيد ، وعتبة الغلام ، وسلمة الأسواري ، فنزلوا على الساحل قال : فهيّأت لهم ذات ليلة طعاما فدعوتهم إليه ، فجاؤوا ، فلمّا وضعت الطعام بين أيديهم إذا قائل يقول من بعض أولئك المطولة وهو على ساحل البحر مارا رافعا صوته يقول :
وتلهيك عن دار الخلوع مطاعم * ولذّة نفس غيّها غير نافع
قال : فصاح عتبة صيحة ، فسقط مغشيا عليه .
وبكى القوم ، ورفعنا الطعام وما ذاق أحد والله لقمة واحدة .
ومن حكمه الخالدة قوله : جالسوا أهل الدين ، فإن لم تجدوهم فجالسوا أهل المروءات ، فإنهم لا يرفثون في مجالسهم .
وقال الحارث بن عبيد : كان عبد الواحد بن زيد يجلس إلى جنبي عند مالك بن دينار ، فكنت لا أفهم كثيرا من موعظة مالك ، لكثرة بكاء عبد الواحد . وقال حاتم بن سليمان الطائي : شهدت عبد الواحد بن زيد في جنازة حوشب فلمّا دفن قال : رحمك الله يا أبا بشر ، فلقد كنت حذرا من مثل هذا اليوم ، رحمك الله يا أبا بشر ، فلقد كنت من الموت جزعا ، أما والله لئن استطعت لأعملنّ رحلي بعد مصرعك هذا ، قال : ثمّ شمّر بعد واجتهد .
قال عبد الواحد بن زيد : طريق بين القلبين منخرقة لا يحجز المار فيها شيء ، خروج الموعظة من قلب المتكلّم تقع في قلب المستمع كما خرجت من قلب الواعظ لا يغيّرها شيء .
حدث مسمع بن عاصم ، قال : شهدت عبد الواحد بن زيد عاد مريضا من إخوانه ، فقال :
ما تشتهي ؟ قال : الجنة ! قال : فعلام تأس من الدنيا إذا كانت هذه شهوتك ؟ قال : آسى والله على مجالس الذكر ومذاكرة الرجال بتعداد نعم الإلاه ، قال عبد الواحد : هذا والله خير الدنيا ، وبه يدرك خير الآخرة .
وقال عبد الواحد بن زيد : من قوي على بطنه قوي على دينه ، ومن قوي على بطنه قوي على الأخلاق الصالحة ، ومن لم يعرف مضرّته في دينه من قبل بطنه ، فذاك رجل في العبّادين أعمى . قال مضر القارئ : سمعت عبد الواحد ابن زيد يقول : وعزتك لا أعلم لمحبتك فرح من أحلّ الصادقين دار الكرامة ، وأورث الباطلين منازل الندامة ، اجعلني ومن حضرني من أفضل أوليائك زلفى ، وأعظمهم منزلة وقربى ، تفضلا منك عليّ وعلى إخواني ، يوم تجزي الصادقين بصدقهم دانت قطوفها دانية متدلّية عليهم ثمارها .
حدّث أبو علي الأزدي عن عبد الواحد بن زيد ، قال : خرجت أنا ومحمد بن واسع ، ومالك بن دينار نحو بيت المقدس ، فلمّا كنّا بين الرصافة وحمص سمعنا مناديا ينادي من تلك الرمال : يا محفوظ يا مستور اعقل في ستر من أنت ، فإن كنت لا تعقل فاحذر الدنيا ، وإن كنت لا تحسن أن تحذرها فاجعلها شوكة وانظر أين تضع رجلك ؟ !