تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 536

مساهمون:

ص٥٣٦
فخرجت إلى الكوفة ، فسألت عنها فقيل : هي مجنونة بين ظهرانينا ترعى غنيمات لنا . فقلت : أريد أن أراها . قالوا : اخرج إلى الخان فخرجت ، فإذا هي قائمة تصلّي وإذا بين يديها عكازة لها وعليها جبة من صوف مكتوب عليها : لا تباع ولا تشترى . وإذا الغنم مع الذئاب لا الذئاب تأكل الغنم ، ولا الغنم تفزع من الذئاب . فلما رأتني أوجزت في صلاتها ثم قالت : ارجع يا ابن زيد ، ليس الموعد هاهنا غدا الموعد ثمّ . فقلت لها : رحمك الله وما يعلمك أني ابن زيد ؟ فقالت : أما علمت أنّ الأرواح جنود مجنّدة ، فما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف . فقلت لها : عظيني ! فقالت : وا عجبا لواعظ يوعظ . ثم قالت : يا ابن زيد ! إنه الغنى ما من عبد أعطي من الدنيا شيئا فابتغى منها ثانيا إلّا سلبه الله حبّ الخلوة معه ، ويبدله بعد القرب البعد ، وبعد الأنس الوحشة . ثم أنشأت تقول :
يا واعظا قام لاحتساب * يزجر قوما عن الذنوب تنهي وأنت السّقيم حقا * هذا من المنكر العجيب لو كنت أصلحت قبل هذا * غيّك أو تبت من قريب كان لما قلت يا حبيبي * موقع صدق من القلوب تنهى عن الغي والتمادي * وأنت في النهي كالمريب
فقلت لها : إنّي أرى هذه الذئاب مع الغنم ، لا الغنم تفزع من الذئاب ، ولا الذئاب تأكل الغنم ، فأيش هذا ؟ فقالت : إليك عنّي ، فإنّي أصلحت ما بيني وبين سيّدي ، فأصلح بين الذئاب والغنم . قال عبد الواحد بن زيد : ما للعاملين والبطنة ؟ إنّما العامل تجزيه العلقة التي تقوم برمقه . قال حصين بن القاسم الوزان : وسمعته يقول يوما : عاهدت الله عهدا لا أحنث بعهدي عنده أبدا ، قلت : ما هو يا أبا عبيدة ؟ قال : اقصر يا حصين . قلت : أوما تؤمّل في إخبارك إياي خيرا من قدره ؟ قال : بلى ! قلت : فأخبرني . قال : عاهدته أن لا يراني نهارا طاعما أبدا حتّى ألقاه . قال حصين : فإنّه كان ليشتدّ به المرض فيجتهد به إخوانه أن ينال شيئا فيأبى ذلك حتّى قضي عليه . وروى سيار بن عاصم عنه أنه قال : من نوى الصبر على طاعة الله صبّره الله عليها وقوّاه لها ، ومن نوى الصبر عن معاصي الله أعانه الله على ذلك وعصمه منها . قال : وقال لي يا سيار : أتراك تصبر لمحبة عن هواك فيخصب صبرك ؟ لقد أساء بسيده الظن من ظنّ به هذا وشبهه ، قال : ثمّ بكى عبد الواحد حتّى خفت أن يغشى عليه ، ثم قال : بأبي أنت يا مسبغ نعمه غادية ورائحة على أهل معصيته ، فكيف ييأس من رحمته أهل محبّته . قيل لعبد الواحد بن زيد : إنّ بالبصرة رجلا يصلّي ويصوم منذ خمسين سنة ، هل قنعت منه بعد ؟ قال : لا ! قال : فهل رضيت عنه ؟ قال : لا . قال : فهل أنست به بعد ؟ قال : لا . قال : فإنما ثوابك من عملك التزيّد في الصوم والصلاة ؟ قال : نعم ! قال : لولا أنّي أستحي منك لأعلمتك أنّ عملك مدخول .
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 536 | المنجي بوسنينة