تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 465

مساهمون:

ص٤٦٥
وعرفت ما سوى الله بنور الله » . [ الشعراني ، الطبقات الكبرى ، 1 / 65 ] . بهذا كله يكون مصدر المعرفة وموضوعها عند البسطامي هو الله ، ومنهجها الكشف ، وشرطها العمل ، وكلما تجسدت ازداد صاحبها يقينا وبلغ الغاية منها ، وهي الاتصال بالله والفناء فيه ، حينها يدرك الصوفي المطلق ، وتتحوّل إرادته من إرادة بشرية محدودة إلى إرادة إلهية وعلم إلهي مطلقين . وإذا بلغ العارف المراد أدرك من المعرفة ما يعجز اللسان عن التعبير عنه ، وإذا ما رام ذلك فإن الذي يبلغه من فناء وما يشاهده ستحمله عبارة دونه ، ويفهم منها السامع ما لم يتعوّد على سماعه ، من غريب العبارة والمعنى ، ويتّخذ من ذلك مواقف مختلفة . ذلك النوع من المعرفة ، وتلك الأقوال الغريبة المعبّر عنها ، هي المسمّاة بالشطحات الصوفية ، وهي العبارات التي أثارت جدلا كبيرا ، وفهم منها القول بالاتحاد فكفّره لأجلها فريق ، وشرحت وأوّلت : وبرّر القول بها فريق ثان ، وعدّها فريق ثالث على أنها مدسوسة عليه ولم يقل بها البتة . ومن أهم هذه الشطحات وأشهرها قوله : « سبحاني ما أعظم شأني » . وقد نسب إلى البسطامي شرح هذه العبارة بما مفاده أنه ، وهو في غمرة تجلّ من تجلياته الصوفية ، نزّه الله بعبارة « سبحان الله » ، فاعترض عليه في سرّه الله أن نزّه نفسك أولا ، لأن الله لا عيب فيه يحتاج إلى أن ينزّه عنه . ومن ثم راح البسطامي يتعالى عن الرذائل ويتحلّى بالفضائل حتى صار يقول : « سبحاني ما أعظم شأني » من باب التحديث بالنعمة . [ نهاد خياطة ، دراسة في التجربة الصوفية ، 96 ] . هذا التبرير لا يرقى إلى ما وضعه كبار المتصوفة من شرح وتأويل لعبارة البسطامي « سبحاني ما أعظم شأني » ، فأقرب المتصوفة إليه زمنا الجنيد يقول عنها بأنها تعبير عما شاهده في مقام الفناء ، حيث غاب عن ذاته ولم يعد يرى سوى الله وجلاله ، يقول الجنيد : « . . . الرجل مستهلك في شهود الجلال ، فينطق بما استهلكه ، أذهله الحق عن رؤيته ، فلم يشهد إلا الحق ، فنعته » [ التفتازاني ، مدخل إلى التصوف ، 121 ] . أما الغزالي فيشرح هذه العبارة ويؤوّلها في كتابه « المقصد الأسنى » بأنها لا تخرج عن أحد معنيين : إما أن البسطامي يتحدث عن الله بضمير الأنا ، بمعنى أن الله هنا هو المتكلم وليس البسطامي . وإما أنه يتحدث بأنانيته ، وهنا تكون المقولة صدرت منه في غمرة الوجد والسكر وهو في مقام الفناء ، وتنزيهه لذاته يكون بالمقارنة مع خلق الله لا مع الله ، يقول الغزالي : « قول أبي يزيد قد يصحّ عنه . . . إمّا أن يكون جاريا على لسانه في معرض الحكاية عن الله . . . وإمّا أن يكون قد شاهد كمالا لاحظه في صفة القدس . . . فأخبر عن قدس نفسه ، فقال ! سبحاني . . . للإضافة إلى عموم الخلق . . . فلا نسبة له إلى قدس الرب تعالى وعظم شأنه . . . ويكون قد جرى هذا اللفظ على لسانه في سكر » . وإلى هذا المعنى يشير ابن عربي عند شرحه لعبارة البسطامي « سبحاني . . . » ، فيذهب
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 465 | المنجي بوسنينة