تداول أتباع البسطامي أفكاره وممارساته الصوفية في شكل أقوال فيها وصف لأحواله ومقاماته العرفانية ، وفيها مواعظ أخلاقية تهذّب النفس وتروّضها على التعفّف والتحلّي بالأخلاق الإلهية لما للتصوّف من صلة وطيدة بالأخلاق ، بل هو الأخلاق الفاضلة بعينها ، ولا وصول إلى الله - المراد من التصوف - إلّا بالأخلاق أوّلا ، مع النفس ومع الغير ومع الله ، يقول البسطامي : « أقرب الخلق إلى الله ، أوسعهم لخلقه خلقا فتواضعوا » [ السلمي ، المقدمة في التصوف ، 68 ] .
يذهب أبو يزيد في مجال الأخلاق وضرورة تمثّلها لدى الصوفي حتى تتطابق مع آرائه إلى حد النصح بعدم الاكتراث لخرق العادات ، إن كان صاحبها مجردا من السلوك القويم والمقوّم ، فيقول : « لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يرتقي في الهواء فلا تغترّوا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود وأداء الشريعة » [ الرسالة القشيرية ، 14 ] .
وإذا كان التصوّف أخلاقا ، ومبرّرات غرضه تقويم السلوك الإنساني وترويض النفس والسموّ بها عن الدنايا ، فإنه مع البسطامي ومعاصريه من المتصوّفة بدأ ينتقل من الأخلاق الممارسة لذاتها أو المجسدة في تعبّد وزهد ، إلى محاولة الوصول إلى الله والفناء فيه بالتجرد التام من كل ما سوى الله ولن يتأتّى ذلك إلّا بالعرفان ، والذي يتدرّج بدوره في سلّم الأحوال والمقامات ، ويكون أرفع من مجرّد العبادة ومن الزهد ، وإن بقيا من منطلقاته ومقوّماته ، يقول البسطامي : « لا يعرف نفسه من صحب شهوته » ، فالمتمسك بملذات الدنيا يصعب عليه حتى معرفة نفسه ، ومن جهل نفسه جهل ربه . وعن شرط الزهد في العرفان قال أيضا : « المعرفة بطن جائع ، وبدن عار » . هذا عن الزهد ، أما عن تميّز العبادة سواء بزهد أو بدونه عن المعرفة الصوفية فيقول واصفا تجربته : « عملت في المجاهدة ثلاثين سنة فما وجدت شيئا أشدّ عليّ من العلم ومتابعته » .
يكمن تميّز العرفان عن العبادة والزهد في أن العبادة والزهد وسيلتان لمعرفة الله معرفة يقينية لا شك معها ، وصعوبتها تكمن في أنها لا تتأتّى إلا بمفارقة النفس وبرعاية إلهية مسبوقة بمجاهدات ورياضات ، « وأدنى ما يجب على العارف أن يهب له - أي الله - ما قد ملّكه » . أما أقصى ما يجب فترك الدنيا والآخرة وكلّ ما سوى الله ، فعبادة الصوفي وزهده ليسا من أجل دنيا ، ولا من أجل آخرة ، لا خوفا من النار ولا طمعا في الجنة ، فالمراد هو الوصول إلى الله والابتهاج بتلك الغاية القصوى . يقول البسطامي واصفا تدرّجه في هذا الزهد حتى بلغ الوصال : « . . . كنت ثلاثة أيام في الزهد فلما كان اليوم الرابع خرجت منه ، اليوم الأول زهدت في الدنيا وما فيها ، واليوم الثاني زهدت في الآخرة وما فيها ، واليوم الثالث زهدت فيما سوى الله ، فلما كان اليوم الرابع لم يبق لي سوى الله ، فهمت ، فسمعت هاتفا يقول : يا أبا يزيد لا تقوى معنا ، فقلت : هذا الذي أريد ، فسمعت قائلا يقول : وجدت وجدت » .
وبهذا الوصل يتمكن العارف من معرفة الله ، ومعرفة مخلوقاته ، ومنهجه نور الله المستفاد من تجربته الكشفية ، يقول : « عرفت الله بالله ،
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 464
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٤٦٤