تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 443

مساهمون:

ص٤٤٣
أسندت إليه وزارة التجارة والزراعة والغابات والمعادن في العام 1913 م ، فأبان عن كفاية وعلم ، وقام بعدّة إصلاحات . وبقي في منصبه الوزاريّ حتّى اندلاع الحرب العالميّة الأولى العام 1914 م ، إذ حاول أن يثني السلطنة العثمانيّة عن دخول الحرب ، ولكنّه فشل ، فقدّم استقالته وسافر إلى سويسرا حيث أقام خمس سنوات ساءت في خلالها صحّته . ثمّ نقل إلى القاهرة للمعالجة ، فتحسّنت صحّته . وفي العام 1924 م قصد نيويورك للاستشفاء فتوفّي فيها في الأوّل من حزيران العام 1925 م . وأقيمت له حفلات تأبينيّة في المهجر ، ثمّ نقل جثمانه إلى لبنان ودفن في مسقط رأسه . وأقيمت له ندوات تكريميّة كان آخرها في العام 1996 م في بلدة الدبّيّة لمناسبة مرور إحدى وسبعين سنة على وفاته . اتّصف سليمان البستاني بقلّة الكلام ، وكثرة التفكير ، وشدّة العزم ، وسعة الصدر ، وحسن المعاشرة ، وإباء النفس والزهد عن المال والألقاب . كان يبسّط فكرته أو اقتراحه بهدوء ودقّة في التعبير وتعمّق في البحث . لم يخترع أوزانا جديدة للشعر العربيّ ، ولكنّه تصرّف بها تصرّفا أمينا ينطلق من عبقريّة راجحة وإحساس صادق . نوّع في الإخراج وشذّ عن القافية . وشعره في قصيدة « الداء » وموشّحة « الشفاء » أقرب إلى الوجدان والاختلاج الشعوريّ . يقول في مطلع قصيدة « الداء » :
ألم تسأم وعيشك بات مرّا * توسّد من لظى الآلام جمرا
تقلّب في فراش السّقم جنبا * لجنب موقدا بطنا وظهرا وجفنك لا يذوق الغمض سهدا * وإن هجعت عيون الناس طرّا
وفي قصائد « الذنب والغفران » ، و « الخيبة والرجاء » ، و « الخيانة والوفاء » ، و « الترك والعرب » ، وغيرها ، برزت نزعته الانسانيّة الأخلاقيّة من خلال نظرة فلسفيّة معمّقة . وتجلّى نفسه الملحميّ المديد في ترجمة الإلياذة . ومن شعره الملحميّ نختار من ترجمة الإلياذة مطلع النشيد الأوّل :
ربّة الشعر عن أخيل بن فيلا * أنشدينا واروي احتداما وبيلا
وعرف في النشيد الثالث اختيار الأوزان الموافقة للموضوع ، والمعبّرة خير تعبير عنه ، جوّا وتصويرا ونغما وإيقاعا . يظهر من خلال مقدّمته المهمّة المستفيضة الموثّقة لإلياذة هوميروس أنّه باحث وناقد وعالم ورائد في الأدب المقارن . وهي تبيّن موسوعيّته المعرفيّة ، واطّلاعه على آداب الشرق والغرب ، ومقدرته النقديّة المتطوّرة المبنيّة على الشكّ المنهجيّ والعلم والمنطق السليم والدقّة والأمانة . إنّه محلّل قدير ونزيه ودقيق وذكيّ وجريء ، لا يتوانى عن انتقاد هوميروس نفسه مع كلّ إعجابه وتقديره للإلياذة . امتاز بالنزاهة والتجرّد والإخلاص الشديد للسلطنة العثمانيّة ولكلّ ما يعود بالخير والنفع
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 443 | المنجي بوسنينة