1924 م ) ، الذي جمع شعر البزاز وطبعه بمصر سنة 1305 ه ، وتجدر الإشارة هنا ، إلى أن القصائد التي جمعها الجومرد في الديوان لا تمثّل إلّا النزر اليسير من شعر البزاز الذي لم يهتم أحد بتدوينه في وقتها ، ولم يقدّم لنا الجومرد شيئا عن حياة الشاعر البزاز ، على الرغم من مصاحبته له ، ودرايته بأحواله وطرائق عبادته وتصوّفه وتفكيره .
كان تيار المناسبات رافدا من روافد الشعر العراقي في القرن التاسع عشر ، وقد اتّسم الشكل الفني لقصائد الشعراء بصيغ التقليد والاجترار ، وقد يكون السبب في هذا التقليد أن البيئة الاجتماعية التي عاشوا فيها ، كانت نفسها تجتر التقاليد الموروثة التي لم تعد تلائم العصر ، ويمكن أن نستثني من هذا الحكم عدة حالات شعرية عند حيدر الحلي ، ومحمد سعيد الحبوبي ، وعبد الغفار الأخرس ، والملا حسن البزاز ، فهؤلاء على قدر عال من الشاعرية ، جعلهم أهلا لبلوغ مكانة مرتفعة في صفحة الشعر العراقي في تلك الأيام .
تجمع الروايات الشفاهية المتداولة عشرات السنين على أن ديوان البزاز الذي بين أيدينا الآن والمطبوع في مطبعة حجرية بمصر سنة 1305 ه ، لا يمثل إلّا النزر اليسير من شعره ، فهو من الشعراء المعروفين بقوّة الارتجال وسرعته ، حتّى أن بعضا من العوائل الموصلية ذات الصلة المتينة به كانت تعرفه بألقاب أخرى ، فعائلة آل النقيب وهي من العوائل العريقة والفاضلة في الموصل ، كانت تطلق عليه دائما اسم ملا حسن أفندي - الفوري - وذلك لسرعة استحضاره القصيدة ، ولولا تعلّق الناس بشعره العذب الرقيق الموصول الأسباب بروح السماء وعلى رأس أولئك المجتبي لشعره تلميذه الشيخ محمد شيت الجومرد ، لما وصلت إلينا بعض قصائد الشاعر محفوظة في كتاب مطبوع ، وإن ساءت طباعته إلّا أنه يقضي وطر الباحثين والدارسين والقرّاء .
ومن علامات زهد البزاز أنه لم يكن راغبا بطبع أشعاره ، لأنه كان يعتقد أن ما يقوله ليس شعرا قدر كونه وصالا صوفيا يسعى إليه ، ومرتبة عليا يبغيها ، وثمّة من يذهب إلى أن الشاعر البزاز ، كان حيا يوم قام الجومرد بطبع ديوانه ، لكنه لم يكن يعلم بصنيع الجومرد ، ولم يكن راضيا عمّا فعل ، ويقال إنه غضب على تلميذه الجومرد وقال إنه قلّل من قيمة الديوان .
لقد حفظت لنا ذاكرة الناس بعضا من قصائد البزاز إلى جانب الديوان المطبوع ، تارة بشكل موشّح يغنى في مناسبات دينية ، وأخرى بشكل أدعية رقيقة علقت بألسن الأجيال يردّدونها بحب وشغف .
يعدّ البزاز من أبرز شعراء مرحلته التاريخية ، وتتوزّع أغراض شعره بين مديح الرسول الكريم محمد صلى اللّه عليه وسلم وآل بيته الطيبين والأولياء والأئمّة والوقوف على مآثرهم الخالدة ، وبين التضرّع إلى الله سبحانه وتعالى والفناء في ذاته .
والبزاز أهمّ شاعر في القرن التاسع عشر نظم القسم الأكبر من شعره في مدح رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وتبيان لواعج العشق الصوفي المتجلّي في حلل من رياحين الرضا المستحيل ، وهو أقل الشعراء الصوفيين تطرّفا في نظرته للحياة وأمورها .
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 405
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٤٠٥