تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 406

مساهمون:

ص٤٠٦
إنّ قراءتنا لمدائح الشاعر تجعلنا نستعيد في ذاكرتنا تاريخا طويلا موغلا في القدم من المدائح النبوية ، ففي إحدى قصائده الشهيرة استشفاف لروح البردة وفحواها دون أن يقلدها فنّيا . . . إذ قال :
هذا العقيق وهذا البان والعلم * فاخلع نعالك فيه إنّه حرم وقف على الجزع نقض حقّ أربعة * فإنها أربع عندي لها ذمم
ولا نكاد نجد الشاعر الملا حسن أفندي البزاز في ديوانه إلّا متوسّلا بالرسول الكريم ، مناجيا اسمه أو متضرّعا بفضله أو مستعطفا لكي يشفع له . وقد اقتفى البزاز طريق الشعراء الأولين الذين مدحوا الرسول العربي صلى اللّه عليه وسلم فحاكاهم في الألفاظ والمسمّيات التي جاءوا بها ، فذكر في شعره « صبا نجد » و « رامة » و « آرام النقا » و « الغضا » و « ثنيات اللوى » ، تلك الأماكن التي وردت في الشعر العربي الإسلامي الذي امتدح الرسول الكرسم . وعلى الرغم من أن الشاعر ، كان يسكن في مدينة الموصل الموغلة في الحضارة ، والمرتمية في أحضان الربيع والزهور وشقائق النعمان ، فإنه أخذ يتلذّذ بتلك الأنسام البدوية الصافية التي كانت تعبق بها جزيرة العرب والتي كان قد تغنّى برائحتها الشعر العربي القديم كريح « الخزامى » و « العرار » محاولا في شعره أن يعيش داخل الجو النفسي للبيئة التي عاش فيها الشاعر العربي الذي مدح الرسول الكريم ، فكان تقليده روحيا لا فنّيا أو أدبيا ، فقد ورد في شعره :
وإذا جزت بوادي ضارج * فاحملي منه عرارا وخزامى
وكذلك قوله :
كم هصرنا بالحمى غصن النقا * وجنينا الورد قطفا ولثاما
لقد كان الشاعر ينتقل بعد مقدمة غزلية - وصلت في إحدى قصائده إلى اثنين وأربعين بيتا - إلى مدح الرسول الكريم ، وهي حالة جعلته يقترب بمديحه من غزله ، بحيث أصبحت اللغة في وعائه الشعري ذات نسيج بنائي وروحاني متوحّد ، ولعلّ هذا من الأمور التي يستوجبه الغرض الصوفي إذ الغزل من مكوّنات التعبير الصوفي ومن طبيعة المتصوّفين أصلا . ومدح البزاز آل الرسول الكريم صلى اللّه عليه وسلم جميعا ، وأفرد للإمام علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، قسما من قصائده ، وكان البزاز يسعى جاهدا لأن يجعل آل البيت سببا من أسباب وصوله إلى العلا المحمّدي ، وعاملا من عوامل التودّد إلى المقام المرتجى ، ومن الجدير بالذكر أن جميع رجالات الصوفية الذين امتدحهم البزاز ، كانوا يرجعون بنسبهم إلى الرسول العربي الكريم . واشتهر البزاز بأنه رجل صالح في قومه ، له كرامات تصل الخوارق التي لا يصدقها كثير من الناس الذين ليس لهم دراية بسير الصالحين وأصحاب الطرق العبادية الصوفية . وتجدر الإشارة إلى أنّ الشاعر البزاز ، لم يكن متنازلا عن اشتراطات الحياة ومتطلّباتها أو تاركا لمقتضيات الحياة الدنيا كما قد يحصل