تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 367

مساهمون:

ص٣٦٧
أكثر بورود معين المعارف قد جعله ينكبّ أكثر على التأليف في ميادين متنوّعة لا سيّما أنّ الرجل قد تفرّغ كليّا أو يكاد للتدريس ، بل ربّما التصقت المهمّتان ببعضهما البعض ، فصارت دروسه مدخلا للبحث فيما استغلق عليه من المسائل ، فجاءت رسائله ونبذاته وحواشيه تلبية لنداء الحاجة أكثر منها وليدة تطوّر فكري أو دليلا على انفتاح آفاق جديدة في البحث ، سيّما أنّ هذه التآليف قد اختصّت بميادين معرفية متعدّدة . ويمكن اعتبار تأليفه إعلام الأعيان بتخفيفات الشرع عن العبيد والصبيان من أهمّ كتب الحاج أحمد برناز ، وفيه يتعرّض إلى وضعيّة بعض الشرائح الاجتماعية « الدونية » مركّزا على ضرورة رفع الحرج ودرء الحدود الشرعيّة عن الصبيان وكيفيّة سياستهم والإشفاق عليهم شأنهم في ذلك شأن العبيد إذ هم « إخوانكم فأطعموهم ما تأكلون » . ويبرز المؤلف في أبواب متعدّدة حقوق الصبي على والده وشأن تعليمه وأوقات ذلك وحدود تربيته سيّما ما يخصّ أمر ضربه وما يورثه ذلك إن تجاوز الحدود ، كما يوصي الأولاد بآبائهم خيرا وبأساتذتهم . فجاء هذا التأليف معرّفا بواقع الصبيان والعبيد من جهة ، داعيا إلى تحسين صورتهم ووضعهم من جهة ثانية ، مرتكزا في ذلك على أقوال السلف ، ومستشهدا ببعض النصوص الشرعيّة وتفسير بعض الآيات المتعلقة بالغرض ، وببعض الأشعار والحكم التراثيّة ، ومستندا إلى بعض مقولات شيخه محمد بن شعبان الحنفي ، أو إلى ما عاينه من وقائع في الشأن بتونس أو ببلد قسنطينة . ولا شك أن من دوافع دعوة المؤلف إلى رفع « قدر الصغير » وترفقه « بالفقراء والمساكين » وحنوّه « على أولاد المسلمين » واقتناعه بذلك ، ضرورة إقرار بعض « حقوق الطفل » الدنيا آنذاك . بيد أن الأكيد أيضا أنّ في تاريخ المؤلف ذاته ما يبرّر الاهتمام بهذا الموضوع بالذات والإيغال في البحث فيه سيّما أنه قد افتقد في الوقت نفسه أباه وجدّه وهو لم يتجاوز العشر سنين . ومع ذلك يظل كتابه « الشهب المخرقة لمن ادّعى الاجتهاد لولا انقطاعه من أهل المخرقة » ، أهم تآليف أحمد برناز على الإطلاق . وهو تأليف ذو اهتمامات متعدّدة جمع فيه أحمد برناز « أخبار معاصريه » كما ضمّ بين طيّاته مواضيع مختلفة المشارب متباينة الأهميّة جمعها صاحبها في فقرات سمّيت كل واحدة شهابا ، قد تطول لتمتاز بعدّة صفحات وقد تأتي الواحدة مختصرة مختزلة فلا يكون حيّزها سوى بعض الأسطر . وقد مثل الرد على بعض معارضيه مدخلا لكتابة التأليف ، إذ يعلمنا الحاج أحمد برناز بدعاوي فقيه اغتابه مرّات وآذاه وقدح أيضا في كفاءته ومكانته ، ويحاول برناز في هذا الكتاب أن يبيّن الحقيقة ويبرز أفكاره وآراءه مع العمل في نفس الوقت على تقويم أفكار خصمه . وعبر هذه « المحاجة » جاء التأليف تبعا لذلك غنيّا بالمعارف مليئا بالمعلومات : ولئن لم يذكر اسم خصمه ولو مرّة واحدة في الشهب غير أنّنا نعلم مجمل أفكاره من خلال ما أفادنا به المؤلف كقوله بغلق باب الاجتهاد وانفراده بعلم المنطق حسب زعمه « وهو أفرغ من القصب » ، وادّعائه معرفة العلوم جميعها وتقلب أخلاقه وكثرة تقوّله في الغير وطعنه في الإمام مالك وتعاليه عن التدريس مع « السادات المالكيّة المدرّسين » وإيثاره البنين
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 367 | المنجي بوسنينة