ولكثرة شيوخه واطلاعه على عديد العلوم وربطه منابع العلم المحلية بالروافد المشرقية وأخرى مغربية ، عظم موقع أحمد برناز وقدره عند استقراره أخيرا بالبلاد التونسية . فتصدّر للتدريس في البداية بالمدرسة الشمّاعية حيث درّس جدّه الحاج محمد برناز . ثم أخذه أستاذه محمد محجوبة نائبا عنه بمدرسة يوسف داي وكذلك في الصلاة وخطبة الجمعة في الجامع المواجه لمقام محرز بن خلف وقد كان فيما بين شهر شعبان 1108 ه / فيفري - مارس 1697 م وأوائل ذي الحجة 1116 ه / أواخر مارس 1705 م ؛ وصار بعد هذا التاريخ منفردا بالأمر إثر تخلّى شيخه عن هذه التاريخ منفردا بالأمر إثر تخلّى شيخه عن هذه الخطط لفائدته . كما عيّن في الأثناء مدرّسا بالعنقيّة ( نهج عنق الجمل ) لكي يتوّج مساره بتعيينه مدرّسا بجامع الزيتونة ومدرّس الحديث بمدرسة الجامع الجديد الذي بناه حسين بن عليّ بحومة سوق البلاط .
وقد أدّى انتصابه للتدريس في مدارس عدّة إلى تخرّج جمّ غفير من العلماء على يديه منهم الشيوخ يوسف درغوث الحفيد ، ومحمد شلبي الحنفي ، ومحمد الحركافي الضرير ، ومنلا بكير ، ومحمد قارة طباق ، وأحمد النميس الحنفي ، وأبو محمد عبد الله حسين بن رجب جنويز . ويبقى أشهر تلاميذه المؤرخان التونسيان الشيخان حسين خوجة ومحمّد الوزير السرّاج .
أمّا من الناحية السياسية فإنّ نكبة 1084 ه / 1673 م التي ذهبت بأبيه وجدّه إثر قتل مراد الثاني ، واضطهاده مراد باي الثالث في 1114 ه / 1702 م قد جعلاه يعزف عن الخلطة السياسية وأكسباه حساسيّة تجاه السلطة ذاتها ، ناهيك أنّنا نجد أولى اتصالاته بها كانت بالأمير حسين بن علي عبر قصيدة مدحيّة نظّمها عندما أقدم أوّل البايات الحسينيين على تعيين ابنه محمد لولاية العهد خلفا عن ابن أخيه عليّ باشا سنة 1137 ه / 24 - 1725 م . ولعلّ إقدام حسين خوجة المؤرخ على إيراد قصيدة برناز في الغرض يفيد بأمر هذا التواصل الاستثنائي غير المعهود بين العالم الفقيه الإمام ورجل السلطة المتنفذ ، ممّا يكسب عمليّة التغيير في حدّ ذاتها شرعيّة مستوفاة من ناحية ، ويمهّد لدخول برناز عالم السياسة « الشرعية » من ناحية ثانية . وإذا ما علمنا أنّ وفاة الرجل كانت في 17 ذي القعدة 1138 ه / 17 جويلية 1726 م فهمنا مبرّرات هذا الإقدام على التواصل مع السلطة ، إذ كان في آخر حياته أميل إلى السكينة والدّعة ، وربّما كان أيضا في اتصاله هذا تحت تأثير تلميذه حسين خوجة « وزير » الباي حسين بن عليّ ومؤرّخه الرسمي ، وكذلك تلميذه وصديقه الحميم محمد الوزير السرّاج مؤرخ البلاط أيضا .
والأكيد أنّ هذا الاتصال السياسي المتأخر بين الحاج أحمد برناز وحسين بن عليّ ، وهذه التزكية المباشرة في أمر الاستخلاف ، كانتا كافيتين لتعقّب ابنه من بعده من قبل علي باشا عند اعتلائه السلطة إثر 1740 م حيث سجن الابن مدّة طويلة قبل أن يأمر بخنقه ضمن جمع من العلماء الذين تمّ الاقتصاص منهم على غرار مصطفى بن الحاج حسين خوجة وأحمد الكافي ، وغيرهم كثير ، مثلما أشار إلى ذلك المؤرخ الصغيّر بن يوسف الباجي .
ولعلّ انكفاء أحمد برناز على نفسه وقلة اتصاله برجال الدولة ، وعزوفه عن الاهتمام مباشرة بأمور السلطة ريبة وخوفا ، واهتمامه
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 366
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٣٦٦