ومشاكلها . وكان عالما ثقة غير متنازل . ومع هذا ، ورغم المفهوم الذي كان شائعا في الفترة التي عاش فيها إلا أنه لم يقم بإهداء أي من مؤلفاته إلى أحد كبار رجال الدولة ، بل على العكس من ذلك قام وبكل شجاعة بانتقاد الأخطاء التي رآها في كبار رجال الدولة والموظفين والإداريين في جميع الدرجات .
واعترض بشدة على بيع الوظائف ( المناصب ) بالرشوة وأخذ القضاة والمحتسبين والموظفين الآخرين للرشوة ومنح الرتب العلمية والإدارية إلى غير أهلها وانتشار الجهل وجميع أنواع البدع والخرافات لهذا السبب .
ذكر المؤرخ مصطفى عالي - وهو من المعاصرين للبركيوي - عن حقيقته التالي : « أنه سيف استلّ من غمده ، وأنه خلق من أجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر » . وبالرغم من انتساب البركيوي إلى الطريقة البيرامية ، غير أنه لم يتوقف عن انتقاد بعض أرباب التصوف الذين انحرفوا عن أسس السنة في عهده وقاموا بإحداث البدع . ولم يستحسن الرقص والدوران ، بل قام بتأليف رسالة بعنوان « القول الوسيط بين الإفراط والتفريط » بين فيها البدع والمغالاة التي يقوم بها بعض المتصوفة ، وقام بانتقاد ذلك . ولهذا السبب تم اتهامه بأنه عدو للتصوف . إلا أن هذا الادعاء كان في غير محله . وبالإضافة إلى ذلك يوضح عبد الغني النابلسي ( توفّي في عام 1143 ه / 1731 م ) وهو متصوف مشهور وأحد الذين قاموا بشرح « الطريقة المحمدية » ، أن البركيوي لم ينتقد كبار المتصوفة الذين اتبعوا أسس أهل السنة ، بل انتقد أولئك الذين جاؤوا بحزمة من البدع والخرافات باسم التصوف [ الحديقة الندية ،
I
، 155 ] .
استفاد البركيوي في الأساس وبدرجة كبيرة في تأليفه ل « الطريقة المحمدية » من كتاب « إحياء علوم الدين » للغزالي . ويعتبر هذا دليلا واضحا على ارتباطه بالتصوف السني .
وبالإضافة إلى ذلك تناول البركيوي بايزيد البسطامي والجنيد البغدادي وغيرهما من المتصوفة بتقدير وإجلال ، وذلك في مقابل أولئك الذين قام بانتقادهم من أرباب التصوف . ومن جانب آخر قام قوجه زاده عبد الناصر الأق شهيرلي ، وهو أحد تلاميذ البركيوي ، بتأليف رسالة تمت ترجمتها من قبل أحمد أفندي قوش أطه لي إلى اللغة التركية بعنوان « ترجمة أفراد البركيوية » [ مكتبة السليمانية ، دوغوم لي بابا ، رقم 449 ] .
ويتضح من خلال هذه الرسالة أن البركيوي كان يعيش يومه كاملا في حياة دينية وصوفية .
ويلفت علي بن بالي ، وهو أحد معاصري البركيوي ومؤلف « العقد المنظوم في ذكر أفاضل الروم » الانتباه إلى أن البركيوي بجانب كونه عالما كان أيضا شيخا . ومن جانب آخر يضعه مصطفى عالي وهو من المعاصرين له ومؤلف « كنه الأخبار » في قائمة المشايخ وليس قائمة العلماء .
كان البركيوي بجانب هذا يتابع بشكل انتقادي التطورات الاجتماعية المختلفة ، مختلفا في ذلك عن عدد كبير من العلماء العثمانيين . كما أنه ، وفي فترة لاحقة ، قام عدد كبير من العلماء العثمانيين ورجال الدولة ، بإرجاع الانحطاط الذي حل بالإمبراطوية إلى التطور الاجتماعي والأخلاقي السلبي ، واعتبروه سببا أساسيا لهذا التخلف . وأشاروا إلى أن البركيوي انتبه لهذه الأسباب والنتائج الوخيمة التي سوف تفرزها الفترة التي كان يعيش فيها ،