أجمعت المصادر القديمة على إغفال سيرة ابن البرقماني ، ولا نعلم تفاصيل هامّة عن حياته ، سوى ما ذكره في كتابه « المقالة المحسنية » ، وكذلك نجهل تاريخ وفاته بدقة ، مما دعانا لاعتبار وفاته بعد عام 826 ه / 1422 م أي بعد نسخ كتابه المذكور « المقالة المحسنية في تدبير حفظ الصحة البدنية » .
كان الإمام المستعين بالله أبو الفضل العباس بن المتوكّل ، العاشر من خلفاء بني العباس بمصر ، قد تولّى سدة الحكم من 808 ه / 1405 م إلى 817 ه / 1414 م ، وبعد وفاته توالى على سلطنة مصر أربعة من الحكام المماليك الجراكسة ، حتّى تولّى برسباي الأشرف سيف الدين في عام 825 ه / 1422 م ، وفي عهده كتب ابن البرقماني كتابه « المقالة المحسنية » بناء على أمر تلقّاه من الأمير بيليك نائب السلطان بثغر الإسكندرية وهو منصب هام يصفه القلقشندي بقوله :
« وهي نيابة جليلة . . . ونائبها من الأمراء المقدّمين . . . وكان ابتداء ترتيب هذه النيابة في سنة سبع وستين وسبعمائة في الدولة الأشرفية شعبان بن حسين » [ صبح الأعشى ، السفر الرابع ، ص 307 ] ، ويصف ابن البرقماني وليّ نعمته بأنه الأمير المنصور الاسفهسلار ( مقدّم الجند ) المقدّم بدر الملة مشير الدولة رأس الأمراء ، عين الأعيان الكبير حامي ثغور المسلمين وعامرها ، مؤيد كلمة الاسلام وناصرها نائب السلطنة العلية بثغر الإسكندرية . تتألّف « المقالة المحسنية » من مقدّمة صغيرة وعشرة فصول ، ويشرح في المقدّمة سبب إقدامه على تأليف كتابه ، وتبتدىء الفصول العشرة على التوالي :
الفصل الأول :
في ماهية الصحة وأقسامها .
الفصل الثاني :
في موضوع الصحّة التي يراد حفظها .
الفصل الثالث :
في الهواء المحيط بأبدان الناس .
الفصل الرابع :
فيما يؤكل على اختلاف أنواعه .
الفصل الخامس :
فيما يشرب على العموم .
الفصل السادس :
في الحركة والسكون .
الفصل السابع :
في النوم واليقظة .
الفصل الثامن :
في الاستفراغ والاحتقان .
الفصل التاسع :
في الحركات النفسانية .
الفصل العاشر :
في أمور ليست بضرورية ولا ضارة : الحمام والاستحمام والأكل والجماع .
يتّضح لنا أنّ البرقماني كان طبيبا بحّاثة ومعالجا خبيرا ، تطرّق لموضوع هام ، كان يشغل اهتمام الملوك وعلية القوم على الأخصّ ، ألا وهو موضوع الصحّة العامّة للفرد وعلاقتها بالبيئة ، والنصائح الطبّية في الطعام والشراب ، وكل ما يتعلّق بصحّة الإنسان في نومه ويقظته وحركته وسكونه ، وهو من المواضيع المفضّلة لدى الأطبّاء اليهود .
وفي موضوع البيئة ، يطرح ابن البرقماني أمورا هامّة منها قوله : « الهواء الذي يحفظ الصحّة هو النقي المعتدل الصافي اللذيذ المستنشق ، غير المشوب بغريب ولا محتبس ولا موحش للنفس » [ المقالة المحسنية في تدبير حفظ الصحّة البدنية ] . ثمّ يتطرّق عن الهواء داخل