تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا * وإن وعدوا أوفوا وإن عقدوا شدّوا
ولا يخفى ما كان للإفريقيين عموما والقيروانيين خصوصا وقتئذ من البغض المكين والكراهية الشديدة للعبيديين ( الفاطميين ) بسبب مساعيهم من حين استيلائهم على البلاد في إظهار مذهبهم الشيعي وقتلهم العلماء ومحاولتهم إجبار الناس على القول بآرائهم الباطنية ، لذلك كله كان أهل القيروان يتهمون البراذعي بالشذوذ عن عصبتهم والمروق منها ، وأدى ذلك بهم إلى أن هجروه ورفضوا أقواله وحرضوا طلبة العلم على ترك قراءة مؤلفاته - ما عدا كتابه التهذيب لما قرّب وسهّل - ولم يمنعهم هذا من اعتراف جميعهم بسعة درايته وقوة عارضته في العلوم الفقهية [ حسن حسني عبد الوهاب ، كتاب العمر ، 2 / 650 - 651 ] . وإزاء هذه المضايقة والمقاومة من فقهاء القيروان ، وسقوط منزلته ، اضطر البراذعي إلى الهجرة إلى صقلية ، فنزل عاصمتها مدينة « بالارمو » وحصلت له حظوة عند أميرها أبي الفتوح يوسف الكلبي . وهناك ألف أكثر ، وانكب الناس في صقلية على دراسة مؤلفاته . قال ابن فرحون : « وكان ممن له دنيا ، وطارت هذه الكتب بصقلية وقد ذكر أن المناظرة في جميع حلق بلدانها إنما كانت بكتابه « تهذيب المدونة » [ الديباج ، 182 ] . ويظهر أن نزوحه إلى صقلية كان في حوالي سنة 375 ه بدليل كونه ألف كتابه التهذيب عام 372 ه في القيروان ، وبالرغم من انتقاله لم تمّح الحزازة التي كانت بينه وبين ابن أبي زيد ، فقد قيل إنه لما بلغه خبر وفاة ابن أبي زيد ، قال له بعض أصحابه : مات لك ابن أبي زيد - يشير إلى استراحته منه فقال : هيهات ، وإن مات لي ابن أبي زيد ، فلم يمت كتابي كتابه . قال المؤرخ أبو الحسن بن سعيد العنسي : « فضرب الدهر بضرباته إلى أن هجر الناس مختصر ابن أبي زيد ، وأقبلوا على مختصر البراذعي » . والمرجح أنه لم يستقر في صقلية حتّى الوفاة ، فقد ذكر الدباغ عن شيخه أبي الفضل أنه كان إذا زار جبانة الشيخ أبي الحسن القابسي ، يقف عند قبرين ، عند رأس كل واحد منهما لوح ، ويذكر أن قبرا منهما هو قبر أبي سعيد البراذعي ، ويقول : « ما زلت أسمع أن قبره أحدهما » [ معالم الإيمان ، 3 ، 150 ] . ومما يؤكد رجوعه إلى القيروان ووفاته بها أن جميع كتبه التي ألفها بصقلية توجد منها قطع وأجزاء صالحة بالمكتبة العتيقة بجامع القيروان ، مما يوحي بأنه حمل معه مؤلفاته حين عودته إليها .

آثاره

للبراذعي آثار علمية نافعة ، لم يصل منها كاملا سوى كتابه « التهذيب » والبقية منها قطع صالحة بالقيروان [ حسن حسني عبد الوهاب ، العمر ، 2 / 652 - 653 ] . 1 - التهذيب في اختصار المدونة ، وهو الكتاب الذي اشتهر به البراذعي ويعرف أيضا « بتهذيب المدونة » ، قصد فيه صاحبه إلى تهذيب مسائل المدونة والمختلطة ليكون ذلك أدعى إلى نشاط الدارس ، وأسرع إلى فهمه ، وعدّة لتذكرته . وجعل مسائلها على الولاء ما هي في الأمهات ، إلا شيئا يسيرا ربما قدمه أو أخره ، واستقصى مسائل كل كتاب فيه خلا ما تكرر من مسائله أو ذكر منها في غيره ، فقد تركه مع الرسوم وكثير من الآثار كراهية
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 278 | المنجي بوسنينة