البديري ، الحاج أحمد الحلّاق ( ت بعد 1175 ه / 1762 م )
الحاج أحمد بن بدير شهاب الدين البديري الحلّاق الدمشقيّ ، لا يعرف تاريخ مولده ولا تاريخ وفاته ، وكل الذي نعرفه أنّه أرّخ من سنة 1154 ه / 1741 م إلى سنة 1175 ه / 1762 م ، أي أنه من أهل القرن 12 ه / 18 م . عمل حلّاقا ، ولعلّه اكتسب هذه الحرفة عن أبيه .
ولد ونشأ بمحلّة القبييات من ضواحي دمشق ، من أسرة متواضعة ، متديّنة ، وانتمى إلى إحدى الطرق الصوفية ، المعروفة بالطريقة السعدية ؛ وتردّد على مشايخ عصره ، وأخذ عنهم التصوّف ، وأصبح له أوراد وأدعية وتسابيح ، وآمن بالكرامات ، وإلى جانب التصوّف مال إلى الأدب ، فتعرّف على شاعر الشام وأديبها الكبير « عبد الرحمان البهلول » ( ت 1163 ه / 1749 م ) ، فنقل من شعره في كتابه ، ونظم هو الشعر الشعبي بطريقة المواليا ، وأثبت ذلك في كتابه الذي تناول حوادث دمشق اليومية لمدة واحد وعشرين عاما .
لم يتنطّح البديري لتدوين تاريخ عام ، أو تاريخ بلاد الشام بكاملها ، فهو قد عرف قدره فوقف عنده ، واكتفى بتسجيل يوميّات ما يحدث بوطنه دمشق بطريقة لا تصنّع فيها ، فلم يرصد أخبار علية القوم من ولاة وأعيان وعلماء فحسب ، بل تتبّع أخبار العوام من أبناء الطبقة الكادحة والمكدّين ، وسفلة القوم ، وكلّ ما يحرّك الحياة في المجتمع الدمشقي ، مع تتبّع الظواهر الكونية ، والمناخ ، والأوضاع المعيشيّة من غلاء وقحط وأمراض ، وأعمال شغب وفتن وحروب ، وعلاقات اجتماعية ، وأوضاع سياسية كما يراها الفرد الدمشقي بعين مجرّدة ليس فيها هوى وجنوح لسياسة بعينها سوى ما يحقّق المصلحة العامّة .
كما أرّخ لأحداث جرت في مناطق أخرى من بلاد الشام ، ولكنّها ذات مجرى لا بدّ أن يتّصل بدمشق ، سيّما أنّها عاصمة بلاد الشام ، والمحور الأساس للحركة السياسية ، واعتبار المناطق الشامية وحدة سياسية وإدارية واقتصادية في العهد العثماني ، وتفاعل الأحداث وتأثيرها في مجرى الحياة بدمشق ونواحيها .
ولقد أخرجت دمشق مؤرّخا قبل البديري الحلّاق في عصر المماليك ، وبقي إلى قبيل دخول دمشق بحوزة الأتراك العثمانيين بسنوات معدودة ، هو ابن طوق ( ت 915 ه / 1509 م ) دوّن مثله يوميّات لفترة تاريخيّة مقاربة ، هي 23 عاما ، وكان من أسرة متواضعة أيضا ، ولكن من الصعب القول بأنّ البديري اطّلع على مدوّنات ابن طوق ، وإن كان الأسلوب والمنهج في الكتابة واحدا ، والفكرة لدى الاثنين واحدة ، إلّا أنّ ابن طوق كتب في عصر المماليك ، بينما كتب البديري في العصر العثماني ، وشاب كتابته شيء من الأغلاط اللغويّة والنحويّة ، واستخدم في