تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
أنه زماني في جوهره وبطبيعته ، وتبعا لهذا فإنّ كل ما يتّصف بصفة الوجود يتّصف بصفة الزمانية » . الزمان ليس إطارا يجول فيه الوجود ، بل هو المقوّم الجوهري لماهية الوجود . نلاحظ ممّا سبق أساسا من أسس الفلسفة الوجودية بعامة وهو أنّ العقل المنطقي ليس الملكة الوحيدة التي ندرك بها حقيقة الوجود ، بل إنّ الفكر المجرّد انتزاع للنفس من تيار الوجود الحي . السبيل الحقيقي إلى إدراك كنه الوجود هو التجربة الحيّة التي تكون على اتّصال مباشر في توتره ، والتوتر مرتكز أساسي عند بدوي . ورأى أنّ خير لفظ يعبر عن هذا السبيل للإدراك هو « الوجدان » باعتباره ملكة نعاني بها الوجود بما هو عليه ، نعانيه وليس نعاينه أو نراه . الوجدان يكوّن عالما للإدراك يختلف تماما عن عالم الإدراك الذي يكوّنه العقل . وليس يحقر بدوي من شأن العقل البتة ، فقط يفرق بينه وبين الوجدان . وتمثّلت إضافة بدوي للفلسفة الوجوديّة في وضع لوحة مقولات نفهم وفقا لها أحوال الوجود ، تشبه لوحة المقولات التي وضعها كنت هفخل كي نفسر الأحكام العقلية وفقا لها . تقوم مقولات بدوي على التوتر في أحوال الوجود ، ممّا يمنحه تفسيرا ديناميكيّا قائما على ديالكتيك عاطفي وإرادي ، هكذا تميّزت فلسفة الوجود مع بدوي عن رائده هيدجر بالتوتّر والديناميكيّة . وأخيرا يفسّر بدوي العدم بأنّه الهوات القائمة بين الذرات ، لأنّ الوجود منفصل وليس متّصلا . يعترف بدوي في سيرته الذاتية بأنه كان عليه أن يتناول الميتافيزيقا والمنطق والقيم وفقا للمبادىء التي طرحها في « الزمان الوجودي » ، لكنّه لم يفعل لانشغاله بالخطّين الآخرين من خطوط إنتاجه الفكري ، وهما الدراسات الإسلامية ، وخلاصة الفكر الأوروبي . لقد عمل بدوي على نشر التراث اليوناني الفلسفي في ترجماته القديمة إلى العربية . فحقّق كل ما ترجم إلى العربيّة من نصوص أفلاطون ، وأرسطو ، وأفلوطين ، والإسكندر والأفرروديسي ، وبرقلس ، الصحيحة والمنحولة . وبهذا حفظ نصوصا فلسفية ضاع أصلها اليوناني ، وأفاد من الترجمات العربية الدقيقة في فهم الفلسفة اليونانية ، بل وتقويم بعض النصوص اليونانية المتأخّرة . كما حقّق عددا كبيرا من كتب الكندي ، والفارابي ، وابن سينا ، وابن باجة ، وابن رشد ، وغيرهم ، معظمها كانت بتحقيق بدوي ذي المقدمات الضافية تنشر لأوّل مرّة . وأخيرا نجد إنتاجه في ميدان الأدب ، إبداعا وترجمة ودراسات ، إنتاجا ذا اعتبار إذ تسلّح بقدراته اللغوية الفائقة . إبداعا وضع بدوي ديواني شعر : « نشيد الغريب » و « مرآة نفسي » ، وقصّتي « التسلسل الرهيب » و « لن أختار » ومسرحية « جابر بن حيان » . ويوميات تتميّز بمسحة أدبية عذبة في « الحور والنور » و « هموم الشباب » . وكان آخر ما كتبه بدوي في حياته المديدة سيرة ذاتية « قصة حياتي ، في جزءين ، بيروت ، 2000 » لكنّها تميّزت بالجفاف وعلى الرغم من أنّها توقّفت عند العام 1974 م ولم تكتمل ، فقد أثارت جدلا لحدّة هجومها على أطراف عديدة . من الناحية الأخرى عمل بدوي طويلا على إصدار ترجمات لروائع الأدب العالمي فيما