تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 257

مساهمون:

ص٢٥٧
عاما ، وإن ظلّ حاضرا بكتاباته المتدفّقة ومكانته في نفوس الدارسين والمثقّفين ، حتّى حصل العام 1998 م على أعلى جائزة تمنحها الدولة المصرية . ثمّ عاد أخيرا ليقضي نحبه فيها . وكانت فلسفة بدوي الوجودية هي الأقلّ كمّا من خطوط إنتاجه ، وأيضا الأسبق . مهّد لها برسالته للماجستير « مشكلة الموت في الفلسفة الوجودية ، 1941 م ( بالفرنسية ) » - التي اعتمد عليها في كتابه « الموت والعبقرية » - وعرضها في رسالته للدكتوراه « الزمان الوجودي ، 1943 م » - التي نشر ملخّصها بعنوان « خلاصة مذهبنا الوجودي » - ثمّ بحثه « هل يمكن قيام أخلاق وجوديّة ؟ » . وبعد ذلك تأتي أبحاثه المدرسية في الفلسفة الوجودية ، وقراءته الوجودية للتصوّف الإسلامي لا سيّما أنّ كليهما ينطلق من التجربة الحيّة المعاشة ، من الذاتية والوجود الذاتي بوصفه الوجود الحقيقي . في بحث مشكلة الموت عمل على تحديد عناصر هذه المشكلة ومداها ، لينتهي إلى أنّها بحث في الوجود . الموت يقتضي الشعور بالذاتية والفردية والشخصيّة التي تقتضي بدورها الحرية . ومن الناحية الموضوعية نجد الوجود يقتضي بطبيعته التناهي ، ممّا يجعل الموت عنصرا مكوّنا للوجود . ينتقل بدوي من هذا الوجود العام إلى الآنية
Dasein
أي الوجود الفعلي للذات المتحقّق بين أشياء في العالم كما طرحها هيدجر . الهمّ هو طابعها ، فهي مهمومة دائما بإمكانياتها الذاتيّة التي لم تتحقّق بعد في إشارة إلى المستقبل ، وهي واقع حاضر من إمكانيات تحقّقت في الماضي ، هكذا تجمع الآنية آنات الزمان الثلاثة ، ممّا يعني أن جوهر الوجود هو الزمانية ، أي أنّ الوجود والزمان شيء واحد . وكما أسلفنا حيث يكون وجود يكون بالضرورة موت . وتلك هي المشكلة الحقيقيّة للموت إنّها مشكلة تناهي الوجود جوهريّا . ومن هنا توغّل بدوي إلى صلب مذهبه الوجودي في رسالته للدكتوراه « الزمان الوجودي » ، مواصلا لمسار هيدجر وكتابه « الوجود والزمان 1927 م » ، ومنطلقا من أنّ الوجود الحقيقي هو وجود الفردية الذاتية التي تقتضي الحرية ، والحرية معناها وجود الإمكانية ، ليغدو المشروع الوجودي للذات هو العمل على تحقيق الممكنات . الوجودية مذهب لا يرد الذات إلى الموضوع كما فعلت المادية ، ولا يرد الموضوع إلى الذات كما فعلت المثالية . الذات والموضوع كلاهما حقيقي وأصيل . والذات لا توجد بغير عالم الموضوعات الذي تحقّق فيه ممكناتها . ولا يجد الإنسان ذاته في عالم الموضوعات والممكنات إلّا حين ينشدها في فعل الإرادة التي تقتضي الحرية . والحرية تتضمّن الاختيار وكل اختيار هو اختيار بين ممكنات . وحين يتمّ الاختيار تنتقل الذات من حالة الحرية إلى حالة الضرورة . الضرورة هنا هي تحقّق الإمكانية في صورة وجود في العالم . هكذا تختار بواسطة الحرية بعضا من أوجه الممكن وتحققه عن طريق الإرادة ، وهذا التحقّق العيني يتمّ في العالم ويسمّى حينئذ بالآنية
. Dasein
إن الزمان هو الشرط الأساسي للآنية وحالتها الجوهرية . فيقول بدوي : « الوضع الصحيح عندنا أن نفهم الوجود على
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 257 | المنجي بوسنينة