نشأ الباقلّاني في محيط ثقافي ثري في القرن الرابع الهجري وهو العصر الذي اكتملت فيه العلوم الإسلامية ، وتجذّرت فيه المذاهب ، وتطوّرت فيه الفلسفة الإسلاميّة والتصوّف .
وكان يتميّز بذكائه الحادّ وقوّة ذاكرته وعلمه العميق وتفوّقه في المناظرات ورقيّ خطابته ، فقد عرف بشخصية علمية متعدّدة الوجوه ، ولذلك لقّب بألقاب عديدة من قبيل « مجدد القرن الرابع الهجري » ؛ و « سيف أهل السنة القاطع » و « قائد العقيدة السنّية » .
كما يروى عنه أيضا أنّه كان زاهدا وتقيّا .
وكان يعيش حياة هي أبعد ما يكون عن الرياء والتظاهر . والطابع الغالب على شخصيته العلمية هو علم الكلام ، ومع ذلك فإنه يعتبر مرجعا في أغلب المجالات مثل الحديث ، والفقه ، وأصول الفقه ، والتفسير ، والبلاغة ، وتاريخ الأديان ، والمذاهب . ورغم مكانته الهامة في مجالات الفقه وأصوله ، إلّا أن الآراء اختلفت حول مذهبه الفقهي . فبينما يرى الغالبيّة وعلى رأسهم القاضي عياض أنّه مالكي فإن البعض يرى أنّه شافعي ، في حين ينسبه البعض الآخر إلى المذهب الحنبلي ، ونرجّح صحّة الرأي الأول لأن أكثر المصادر التي تحدثت عنه تنسبه إلى المذهب المالكي كما ينسبه إليه تلاميذه .
لعب الباقلّاني دورا هامّا في جعل الأشعريّة مذهبا منتظما ، كما ساهم في انتشاره إذ أكمل علم الكلام الأشعري من حيث مشكلة المعرفة ومسألة فلسفة الطبيعة ، فوقف عند تعريف المعرفة ومصادرها وأنواعها ، وعارض المنطق والفلاسفة الأرسطيين في مجال فلسفة الطبيعة ، ونظم مفاهيم الجوهر والعرض وجوهر الفرد والخلاء وغيرها ، وجعلها دليلا لإثبات وجود اللّه وحدوث الكون وأساسا لمفهوم الألوهيّة . وقد ردّ فكرة العلاقة الحتمية بين السبب والنتيجة ( الحتمية ) لإبطال الفكر الطبيعي ، وجعل المعجزة تستند إلى أساس علمي . وإلى جانب ذلك وسّع قواعد الاستدلال ووضع لنفسه طرقا مثل قاعدة السبر والتقسيم وهي الفصل بين الموضوع وبدائله وتفضيل الثابت منها ، وقاعدة قياس الغائي على الشاهد ، وقاعدة « إنقاص الأدلّة » وهي الحكم بخطإ الفكرة المثبّتة بدليل خاطىء ، وبالتالي جعل من الكلام الأشعري مذهبا قائما بذاته ؛ كما أنّ الباقلّاني مزج الأفكار الاعتقادية لأهل الحديث والطريقة التي استعملها أبو الحسن الأشعري في علم الكلام ، فلعب بذلك دورا هامّا في تطوير مدرسة أهل السنة الكلامية .
إلى جانب الأشعري تأثر الباقلّاني بأحمد بن حنبل ، واتبع السلفيين في مسألة أخبار الصفات ، وبذلك يكون قد سار نحو جهم بن صفوان في تعريفه لمفهوم الإيمان ووازى معاصره ابن فورك في فكره حول خلق أفعال العباد ، في حين خالف الغالبية في تفكيره حول لانهائية الأعراض ، واتفق بذلك مع أبي علي الجبّائي .
كان الباقلّاني يقول باستقلالية صفة البقاء ، كما يرى أن العبد قوّة مؤثرة في حدوث الفعل ، ولذا يعتبره صاحب إرادة نسبية حرة تجعله مسؤولا عن أفعاله . وبهذا يكون قد خرج في هذا الصدد عن فكر الأشعري . إلى جانب ذلك ربط ربطا وثيقا بين علم الكلام عند أهل السنة بخصوص مفهومهم للألوهية ،
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 135
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص١٣٥