يريد لهم النور ، يكافحون من أجله ، ويريد أن يعشقوا الحرية ويسعوا إليها ، ويريد أبطالا مسلّحين بالعقل والمنطق والجرأة في حربهم على الباطل .
إنّ موضوع أيوب في روايته ، كان على الدوام التعبير عن أمل الإنسان في أن تتخطّى إرادته كل العقبات وأن ينتصر ، وقد عرض هذه الإرادة بصور مختلفة وجميعها منتزعة من البيئة العراقية ، فهو لا يكتب عن الماضي ولا يهتمّ به لأنّه متعلّق بالواقع بقوّة ، وقد توزّعت رواياته بين قضية الإقطاع الديني والإقطاع الزمني ، وقضية المرأة التي نادى بها ، كما نادى بالحرية .
وكتابات أيوب تستهدف الفكرة السياسية والاجتماعية ، وقد حصر أمانيه في مستقبل أفضل للطبقات العاملة ، وللشعب العراقي قبل كل شيء ، إن أهدافه سهلة وإنسانية ، كأن يسجّل حقيقة ، كأن يكشف لنا عن عيب أو نقص ، كأن يقص في معظم الأحيان أن يؤدي هذه الأغراض الثلاثة في وقت معا . . . وقد دفعه نزوعه إلى نقد المجتمع إلى العناية بالسرد أكثر من عنايته بالحوار .
ولا يمكن أن ينفصل أبطال أيوب عن بيئاتهم التي يعيشون فيها ، فالبطل عنده ، هو الواقع نفسه ، وهو الحياة في وطنه ، تلك الحياة التي كان أبطالها جزء لا يتجزّأ منها ، وهو يمثّل أبطاله في كفاحهم ضدّ حياتهم الاجتماعية الضيقة ، لذا يعد هؤلاء الأبطال ممثّلين للتيارات التقدّمية والنزعات الإصلاحية في المجتمع العراقي وبدت شخصيات أيوب ذات سمة مسرحية في الحركة والحوار ، فأغلبهم يصيحون دائما في لهجة خطابية ورنانة . . . كما أن هذه الشخصيات الروائية تظهر في بعض الأحيان ، وقد فقدت فرصها وارتكبت أخطاء شنيعة بالرغم من تكريسها لجهودها في سبيل تحقيق هدفها ، وهذا ناتج عن تمسّك الكاتب بالواقع ورسمه قدر المستطاع . . .
ولم يكن ثمّة مناص من أن يصبح أيوب مالكا لزمام السخرية اللاذعة ، وأن يسود فيها ، لأنّه استهجن كثيرا التقاليد والاتجاهات التي كانت سائدة في مجتمعه ، على أنه مع استهجانه للكثير من هذه التقاليد والأوضاع لم يكف عن إبداء مظاهر الإعجاب ببعضها الآخر ، ومن اجتماع هذا الإعجاب والاستهجان ولدت السخرية في نفسه . . . وفي هذه الروح الساخرة تكمن المأساة فسخريته نابعة من الألم الذي يعيشه الشعب العراقي مقيّدا بقيود اجتماعية وسياسية ثقيلة ، أما حواره فيشف عن تمكّن المؤلّف من استخدام الحوار وقدرته على إدارته رغم ما يلوح بأنه يعبّر عن أفكار محدودة ، يوزّعها بالتناوب على أبطاله ، لكي يصل من خلال الحوار إلى ما يريد عرضه من آراء وأفكار إصلاحية .
ويشبه أيوب محمود أحمد السيد ، في أنهما لا يكتبان إلّا ما يريانه ويلمسانه . وتعد كتابات أيوب امتدادا لكتابات محمود السيد لأنهما سلكا طريقا واحدا في كتابة الرواية بهدف الإصلاح الاجتماعي ونقد الأوضاع السياسية في العراق ، قبل اهتمامهما بما يستلزمه الفن ، وهما يتشابهان في كتابتهما بما فيها من صدق وتجارب شخصية وتشعرك اللغة أو الكلمة أن مشاهداتهما قطع من نفسيهما . . .
ولذي النون أيوب فضل كبير على القصة العراقية ، فقد ضرب للقصصيين العراقيين مثلا رائعا للكاتب كي يخلص لفنّه ويوقف عليه همّه ، وقد استرعى أيوب منذ أن نشر
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 628
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٦٢٨