تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 626

مساهمون:

ص٦٢٦
وحكايات تدلّ على عبث العيش في بلاد بعيدة ، ففي هذه الأقاصيص يخضع العمل دائما للتقاليد البالية والأوهام المسبقة الشائعة ، ولكن هناك دائما ثمّة إنسان يصارع ويكادح ، غير أنه ينتهي إلى الإخفاق لأنّ مفهومه يختلف عن مفاهيم الناس جميعا . . . ويقرّر أيوب في مجموعته الثامنة « جمعيات » الصادرة عام 1941 م ما يوضّح فكره قائلا : « أن مثل من يتوّهم أنّ الأمراض الخلقية والنفسية أقلّ فتكا بالبشر من الأمراض الجسمية ، كمثل رجل أطرش أعمى وسط غرفة مسدودة النوافذ مقفلة الأبواب ، وقد حالت جدرانها بينه وبين عالم تكتسحه عواصف هوج وزوابع مدمرة ليت شعري كيف يسوغ له العقل والمنطق أن يحسب وافدات الملاريا والكوليرا خطرا لا خطر بعده ، وهو يرى سيول الدماء الجارية ويسمع بأذنيه هدير المدافع المهلكة ويشاهد الألوف والملايين من بني البشر أصحّاء أقوياء يدخلون أبواب الفناء زمرا ، كل ذلك بسبب نوبة جشع قد أصابت مجتمعا من المجتمعات أو وافدة غرور انتابت عددا من الناس » . وقد صوّر في مجموعته القصصية « الكارثة الشاملة » الصادرة عام 1944 م ، وهي آخر مجموعة قصصية صدرت لأيوب قبل انتهاء الحرب الثانية ، مآسي عند الحرب وويلاتها ، ووقف عند المجاعة التي حلّت بالموصل . . . ولم يبلغ نتاج أيوب القصصي بعد الحرب العالمية الثانية ، ما بلغه قبل الحرب من ناحية - الكم - فقد أصدر أربع مجموعات قصصية فقط « عظمة فارغة » عام 1947 م ، و « قلوب ظمأى » عام 1950 م ، و « صور شتّى » عام 1954 م ، و « قصص من فينا » عام 1957 م ، أما من ناحية الكيف فقد تطوّر أدب أيوب في الخمسينات من ناحية المضمون فلم يلتزم التزاما سياسيا ، ولم ينصب من نفسه واعظا ، ولم يحشر نفسه بين الشخصيات ليوضّح رأيه في المسائل المعروضة ، ولم يحرّك شخوصه وينطقها بما يريد ، إنّما تركها تتصرّف وتتحرّك بصورة تلقائية طبيعية وطرق مواضيع مختلفة : اجتماعية وسياسية وعاطفية ، وقد اتّسعت قصصه الأولى لعدد من الشخصيات والحوادث والمواقف وامتد فيها الزمان والمكان ، أما القصص الأخيرة فإنها تقتصر على عنصر من العناصر السابقة أو عنصرين منهما ويتحدّد الزمان والمكان ويتجمع كل ذلك غالبا في لحظة عابرة منفصلة تنفجر فيها الأزمة ويستغلّ الكاتب ظاهرها للتوصّل إلى أعماقها ، والحبكة زادت إحكاما وبدت الوحدة العضوية بين بداية القصة ونهايتها أشدّ تماسكا وأصبحت خاتمتها تعتمد على نقطة تنوير تلقي ضوءا كاشفا على جميع أجزاء القصّة ، هذا التطوّر نحو الأفضل والأحسن ، كان يتم في ضوء فن أيوب . في مجموعته العاشرة « عظمة فارغة » أوّل مجموعة أصدرها بعد الحرب الثانية ، يعود إلى مهاجمة المسؤولين الذين يخونون الشعب بلهجة أكثر صراحة وأشدّ عنفا مما كان عليه قبل الحرب ، بينما يعود في « قلوب ظمأى » إلى الهدوء والطمأنينة وشيء من اللامبالاة ، فكأنه ينشد راحة بعد صراع طويل ، وطرق أيوب في مجموعته « صور شتّى » منحى جديدا لم نلحظه من قبل ، فقد كان اللون المحلّي ، طابع آثاره السابقة ، ولكنه في « صور شتّى » شقّ تلك الحواجز الإقليمية الضيّقة وانطلق يطرق موضوعات تشغل بال الإنسانية جمعاء .
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 626 | المنجي بوسنينة