منشؤه في بغداد ، وبها طلب العلم وكتب عن شيوخها ، ثم رحل إلى الكوفة ، والبصرة ، والحجاز ، والشام ، من أجل طلب العلم ، وسماع الحديث . وقد استوطن أخيرا في عسقلان ، إحدى مدن فلسطين ، فعرف ب ( العسقلاني ) ، كما كان يعرف ب ( الخراساني ) نسبة إلى موطنه الأصلي . وقد ذكر البخاري أنه كان مولى لبني تيم أو تميم .
وقد أشار ابن قتيبة الدينوري إلى أن ابن أبي إياس كان يعمل « وراقا » وأنه كان قصير القامة [ المعارف ، ص 292 ] . ويبدو أن اشتغاله بالوراقة أي استنساخ الكتب وبيعها ، قد ساعده في حياته العلمية في مجال حفظ السنة وكتابتها ونشرها ، فضلا عن توفير مصدر للرزق والمعاش . وقد أضاف الخطيب البغدادي أنه : « كان يقرئ القرآن » ، فهل يعني ذلك أنه كان معلما يشتغل بتعليم القرآن الكريم ، أم أن إقراءه القرآن كان امتدادا لحبه لعلوم الدين وسعيه لنشرها بين الناس ؟ إن الاحتمال الثاني هو ما يترجح لدينا لأن ابن أبي إياس كان يكسب رزقه من الاشتغال بمهنة الوراقة .
لقد اشتهر ابن أبي أياس بالتقوى والورع وشدة التمسك بتعاليم الدين وأحكامه ، فكان من العلماء العاملين المجاهدين الذين يسعون للدفاع عن الإسلام ونشره بين الناس . لذا فإنه لم يكتف بطلب العلم وتعليمه ، بل إنه تقدم للمشاركة في جهاد الروم في إحدى الحملات التي قام بها المسلمون في هذا المجال . وقد أورد أبو نعيم الأصفهاني في [ حلية الأولياء ، ج 10 ، ص 153 ] رواية جاء فيها أن ابن أبي إياس كان في غزوة المسلمين ضد الروم « فأسرته الروم ، فصلبوه على الدقل ، وهو خشبة طويلة تشد في وسط السفينة يمد عليها الشراع ، فلما رآه المسلمون مصلوبا حملوا على الروم حملة فأخذوا المركب الذي فيه الشيخ فأنزلوه عن الدقل » ، وأنقذوه من الموت تعذيبا . ويبدو من سياق الخبر أن ابن أبي إياس لم يكن آنئذ في سن الشباب ، بل كان شيخا كبيرا ، وكان ذا مكانة كبيرة بين المسلمين ، لذا فقد حفزهم أسره على النحو الذي وصفته الرواية على القيام بحملة على الروم من أجل إنقاذه .
وقد ذكر الخطيب البغدادي أن آدم بن أبي إياس « كان مشهورا بالسنة ، شديد التمسك بها والحض على اعتقادها » ، وقد وجد في دعوة المعتزلة إلى القول بأن القرآن الكريم كلام مخلوق ، ما يتنافى مع معتقد السلف بأن القرآن كلام الله . لذا فقد اتخذ موقفا شديدا ضد المعتزلة وكل من يجاريهم في دعوتهم حول مسألة خلق القرآن . وقد أورد الخطيب رواية عن أبي بكر الأعين توضح أصدق توضيح موقف ابن أبي إياس في هذا المجال ، قال أبو بكر الأعين : « أتيت آدم العسقلاني فقلت له : عبد الله بن صالح كاتب الليث - بن سعد - يقرئك السلام . قال : لا تقرئه مني السلام . فقلت له : لم ؟ قال : لأنه قال القرآن مخلوق . قال : فأخبرته بعذره ، وأنه أظهر الندامة ، وأخبر الناس بالرجوع . قال : فاقرئه السلام . فقلت له بعد : إني أريد أن أخرج إلى بغداد ، فلك حاجة ؟ قال : نعم ، إذا أتيت بغداد ، فات أحمد بن حنبل ، فأقرئه مني السلام ، وقل له : يا هذا إتق الله ، وتقرّب إلى الله بما أنت فيه ، ولا يستفزّنّك أحد ، فإنك
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 594
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٥٩٤