التي تستطيع إذ ذاك أن تشارك في رسم معالم المجتمع العربيّ الجديد والحضارة العربية الراقية . كما دعا إلى إقامة مجتمع عثمانيّ حديث تعامل فيه الأقلّيّات على قدم المساواة مع الاكثريّة .
ورأى أنّه يصعب على الدين أن يؤسّس دولة ثابتة مستقرّة . فالوحدة الدينيّة غير ممكنة ، وأنّ على الدولة أن تجد لها نوعا من الوحدة ، إذا ما أرادت البقاء . أمّا في العصر الحديث ، فالوحدة تتمّ بخلق الولاء القوميّ والفصل بين السلطة المدنيّة والسلطة الدينيّة . ومن جملة ما دعا إليه أن يكون الولاء الأشدّ للوطن ، بغضّ النظر عن الطائفة والدين ، ذلك أنّه توخّى وضع أسس دولة علمانيّة يشترك فيها المسلمون والمسيحيّون على قدم المساواة التامّة . ويخلص إلى القول إنّه من الضروريّ إبعاد الدين عن السياسة الجانحة ، حرصا عليه ، وحفاظا على سمعة الدين نفسه . فبدل أن ينفع البشر ويفيدهم ، فإنّ الدين قد يأتي بمردود سلبيّ ويخسر الشيء الكثير من قدرته المعنويّة على الدفع نحو الغايات السامية .
لم يعتقد بتناقض العلم والدين ، بل بالإمكان حلّ النزاع بينهما بتحديد الحقل الخاص بكلّ منهما . فهو لا يريد أن يطغى أحدهما على الآخر ، بل على العكس ، يجب أن يحترم كلّ منهما الآخر . فالقلب ضروري والعقل كذلك .
آمن إيمانا قاطعا بوجوب وضع حدود بيّنة للعقل والدين ، فلكلّ منهما مجال يتحرّك ضمنه ، وإن كان الاثنان لازمين للإنسان المرّكب من عقل وقلب . وهو في هذا التحديد للمجالات ، يصون كرامة العلم وكرامة الدين معا ، ويمنع أن يكون أحدهما تابعا للآخر .
وشدّد على أنّ العقل غير قادر على برهنة الحقائق الماورائيّة ، وما عليه هنا إلّا أن يترك الأمور إلى نطاق آخر ( أرفع منه ) ألا وهو الدين ، كما هي حال كلّ دين في العالم . إن كان العقل ضروريّا لفهم الدين وتدعيم الإيمان ، فلا يمكن القول إنّ الدين عقل ، فهذا قول متناقض ، لأنّ العقل ينطلق من إدراك المحسوسات ، ولا يعرف نواميس غير نواميسها ، والدين مبنيّ على الغيب . وكلّ دين ، سواء أكان مسيحيّا أم إسلاميّا ، يتميّز بالخوارق ، ولولا هذه الخوارق لاستطاع العقل أن يهدم الدين بالعلم الحسّيّ .
ودعا كذلك إلى وجوب تأويل ما ورد في الكتب الدينيّة تأويلا عقليّا يؤدّي إلى تنزيهها ، كما يؤدّي إلى تقارب الأديان وتآخيها ، عند أهدافها المشتركة ، ومبادئها الجوهريّة الواحدة . فتنتفي بذلك إمكانيّة التعصّب الدينيّ ، ويسود التسامح في المجتمع .
وركّز ، بشكل أساسيّ ، على التقاء العقل والدين وتكاملهما .
لقد آمن بوحدة الروح والجسد ، والعقل والقلب ، والعلم والدين . ورأى أنّه لا يمكن العيش لا بالجسد وحده ولا بالروح وحدها .
ولا يمكن الاستغناء عن العقل ولا عن القلب ، ولا عن العلم ولا عن الدين . فوجود العقل والدين ضروريّ عنده ، وهما متساويان من حيث هذه الضرورة . وهما لا يتداخلان .
ضمّن بعض كتاباته إشارات إلى العروبة العلمانيّة التي تفصل ما بين الدين والسياسة ، وهو من المفكّرين الذين بذلوا الجهد لإحلال التفكير القوميّ العلمانيّ مكان التفكير الدينيّ .
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 494
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٤٩٤