على تجاوز الزمن الصعب إلى زمن آخر أكثر صفاء وأدعى إلى الطمأنينة .
تميّز بأنّه فتح باب التفكير الحرّ والديموقراطية في الشرق العربيّ ، فكان كاتبا ثوريّا صاحب قلم ناريّ . تعاطف بقوّة مع أبناء مجتمعه ، وكان صادقا في كتاباته المتوافقة مع روحه وفكره . عزيز النفس ، ليّن الطبع ، جلدا على العمل ، راضيا بالكفاف ، شغوفا بالآداب ، متعدّد اللغات ، واسع الاطّلاع ، نهم علم ، فإذا هو كاتب عصريّ ، وباحث اجتماعي ، وأديب متحمّس ، واستقلاليّ الرأي ، ومتحرّر النزعة ، وعزيز النفس . كثير الصراحة ، رصين ثابت ، رحب الصدر ، بعيد عن التعصّب ، علمانيّ الاتّجاه ، وافر الذكاء ، متّقد الخاطر ، موهوب طموح ، عملاق صحافة ، ثائر ، غزير الانتاج ، شموليّ العطاء ، نهضويّ متنوّر .
مروّج للتطوّر الاجتماعيّ ، فنشر ونقل أفكار الفيلسوف الألمانيّ نيتشه ، والفيلسوف الفرنسيّ ، أوغست كونت صاحب التيّار الوضعيّ ، ومفكّري القرن الثامن عشر وموسوعيّيها . وقرأ كتابات روسو ، وفولتير ، وداروين ، ونيتشه ، وماركس ، وتولستوي ، وابن رشد ، وابن طفيل ، والغزالي ، وعمر الخيّام وسواهم . . .
لكنّ مطالعاته كانت سريعة غير متّئدة ، فوضويّة غير منظّمة ، متنوّعة غير مخصوصة ، مفرطة غير معتدلة ، لا يسهل في الغالب هضمها على ملتهمها ، فتحدث له ارتجاجا في التفكير لا يقدر معها على التأمّل الصحيح ليبني رأيا ثابتا بعد التدقيق والتمحيص ، فيصبح عرضة للتأثيرات الطارئة عليه من كلّ كتاب يقرأه أو مذهب ينتمي إليه . غلبت عليه الخطب والمواعظ والمجادلات . لغته سهلة غير متكلّفة ، لا يعنى باختيار ألفاظها وحسن تنزيلها ، ولا يتنخّل العبارة . ولعلّ مردّ ذلك إلى شغفه بالثقافة العقليّة وإلى سرعته في العمل وكثرة اشتغاله بالتأليف والنقل والتحرير والتحبير .
كان من النادرين الذين اشتغلوا في النصّ الفلسفيّ في عصر النهضة العربيّة ، لكنّه لم يكن فيلسوفا ولا أسير مذهب أو نظام فلسفيّ مترابط ، وإن أعوزته المنهجيّة ، وطغت عليه مشاغله الصحافيّة والأدبيّة وميله الفطريّ إلى الحياة الفكريّة .
دعا فرح أنطون الحكومات إلى تأسيس المكتبات وفتح المدارس ، وبثّ الفكر العلميّ في عقول الطلاب ، ونشر العلوم المهنيّة والصناعيّة التطبيقيّة ، وإنشاء مدارس تدرّس الحرف اليدويّة .
كما دعا إلى تعليم المرأة وطلب التمثّل بعظمة المرأة الغربية وكيف أنّها تخرج من لا شيء فتصبح شيئا عظيما .
ثار على التعصّب ، وواجه مشكلة الأقلّيّات الاتنيّة والدينيّة في الشرق العربيّ ، وجعلها محور كتاباته ، واعتبر أنّ التساهل واجب وضرورة وأساسيّ للاخاء والالتقاء ، ليس في بلد واحد وإنّما في الانسانية جمعاء . إنّ مبدأ الإخاء الحقيقيّ في الحياة والوحدة في الأرض هو مبدأ التساهل . وكلّ إنسان حرّ في إبداء الرأي واختيار الدين
وطالب بوجوب الفصل بين السياسة والدين كأفضل وسيلة لمحو التعصّب الدينيّ اعتقادا منه بأنّه يساعد على ترسيخ المساواة بين الملل والأديان والطوائف والاتنيّات كلّها ،
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 493
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٤٩٣