تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 455

مساهمون:

ص٤٥٥
الزهد والتباعد عن الدنيا وملذّاتها . لقد كان شرف الدين وزيرا مرفّها ينعم بالدنيا وخيراتها . وكان في الآن نفسه شيخا متبحّرا في علوم الدين وتبحّره هو الذي درّ عليه لقب شيخ الشيوخ . لذلك تعايش الميل إلى غنم اللذات في ديوانه مع الميل إلى الزهد وهجر الدنيا . ولذلك أيضا كثيرا ما طرق الشاعر باب الزهد حتى في قصائده الغزلية . وهو يتبع هذه الطريقة في المزج بين الغزل والزهد فتتعدد الأصوات في نصوصه وتصبح الكتابة ذات مقصد وعظي واضح . إذ يفتتح الشاعر الكلام بذكر مباهج الدنيا وملذّاتها في المواضع الغزلية ثمّ يدعو إلى الزهد والتقوى في الأبيات التي تلي المقاطع الغزلية ويكون مدارها عادة التحذير من الدنيا ومن نسيان الآخرة . تنكشف هذه الطريقة التي اعتمدها شيخ الشيوخ الشاعر شرف الدين في استدراج المتلقّي إلى التخلّي عن الصبوات والملذّات في العديد من قصائده ومنها مثلا مطوّلته التي مطلعها [ من الطويل ] :
ألم وجنح الليل من صدغه مرخى * خيال بخيل ما أبر وما أسخى
فهو يفتتحها بالتفنّن في ذكر الأحبّة والتغزّل بالمحبوب ثم يخلص إلى غرض الزهد قائلا :
فمل أيها القلب الجهول عن الهوى * ولا تملحن في نيل باطله ملخا وأقبل على التقوى وأعرض عن الخنا * لتنضخ أوضار الذّنوب بها نضخا
تكشف طريقة الشاعر شرف الدين الأنصاري في تصريف الكلام أن منتجها شاعر عارف بعلوم العربية متمرّس ببدائع الكلام وأفانينه . فهو كثيرا ما يلجأ إلى توشية أشعاره بمعارفه البلاغية والنحوية . وهو يعوّل كثيرا على التورية وما تشيعه في الكلام من إيماء ولمح وتعدد دلالي . من ذلك مثلا قوله متحدّثا عن المتصوّفة الشهيرة رابعة العدوية [ من السريع ] :
أوقعني في قيد أسر الهوى * جارية أوصافها جامعه ثالثة البدرين في حسنها * مع أنّها في نسكها رابعه كم جنّنت قلبي في حبّها * فليتها كانت له تابعه يا ربّ غفرا عن ذنوبي فلي * نفس على أهوائها نازعه
والناظر في أشعار شرف الدين الأنصاري يلاحظ أن استخدام التورية وسيلة لجعل الكلام يقوم على الإيماء واللمح والتعدد الدلالي كثيرا ما يتعدّى الصيغ البلاغية إلى تفكيك الألفاظ والتلاعب بالحروف ورصفها مفردة كي يستعيد المعنى الذي تدلّ عليه الكلمة المكوّنة من تلك الحروف التي قام بتفكيكها وبعثرتها . يقول مثلا مخاطبا من يلوم الناس في الحبّ [ من الوافر ] :
فلو أصبحت ذا حاء وسين * لما عنّفت في حاء وباء
وقال مخاطبا الملك الأيوبي المنصور [ من البسيط ] :
يا أيّها الملك المنصور يا ملكا * أوصافه كاملات وهي أصناف
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 455 | المنجي بوسنينة