وخلال دراسة قاسم أمين للحقوق ، كان قد اقترب من حلقة جمال الدين الأفغاني ومدرسته الفكريّة . وفي نفس السّنة الّتي تحصّل فيها على اللّيسانس التحق بالعمل في المحاماة .
وفي سنة 1881 م سافر قاسم أمين في بعثة دراسيّة حكوميّة إلى فرنسا لمواصلة تعلّمه الجامعي ، فانتظم بجامعة مونبيليه يدرس فيها القانون ، وبعد أربع سنوات تحصّل بتفوّق سنة 1885 م على شهادة الإجازة في الحقوق ، وخلال إقامته بفرنسا عادت صلات قاسم أمين بجمال الدّين الأفغاني ومحمّد عبده اللذين استقرّا بباريس منذ سنة 1883 م ، وهناك أصدرا مجلّة « العروة الوثقى » [ محمّد عمارة ، الأعمال الكاملة لقاسم أمين ، ص 22 ] .
ولمّا كان قاسم أمين طالبا في جامعة مونبيليه بفرنسا نازعته موهبته الأدبيّة وثقافته الفرنسيّة ، للوقوف على ينابيع الفكر ، فاطّلع على آراء وأفكار نيتشة وداروين وماركس وغيرهم [ سليم ناصر بركات ، ج 1 ، ص 280 ] .
وفي صيف عام 1885 م عاد قاسم أمين إلى القاهرة ، وفي شهر ديسمبر سنة 1885 م عيّن في القضاء في النيابة المختلطة ، التي بقي يشتغل فيها ، إلى أن تمّ نقله سنة 1887 م إلى قسم قضايا الحكومة ، وبعدها تمّت ترقيته إلى منصب رئيس بنيابة بني سويف بصعيد مصر . ثمّ انتقل رئيسا لنيابة طنطا سنة 1891 م .
وفي سنة 1892 م عيّن نائب قاض في محكمة الاستئناف ، ليرقّى بعدها إلى منصب مستشار سنة 1894 م [ محمد عمارة ، قاسم أمين ، ص 22 - 24 ] .
بدأ قاسم أمين حياته الفكريّة منافحا عن الإسلام والمسلمين . فقد أثار اهتمامه كتاب الدوق داركور « مصر والمصريّون » الذي ذهب فيه إلى أنّ الإسلام هو السبب الرئيسي في انحطاط وتخلّف مصر والبلدان الإسلاميّة .
وذلك أنّ هذا الدين في مذهب داركور يدعو إلى التواكل ويؤمن بعقيدة القضاء والقدر ، وكلاهما يفضيان إلى الخمول ، والكسل والعبوديّة . فتصدّى قاسم أمين لهذه الدعوى وضع للردّ عليها ، بالفرنسيّة ، كتابا بعنوان « المصريّون » . وقد عبّر قاسم أمين في هذا الكتاب عن إيمانه بمبدإ التقدّم وبأنّ مصر ستتجاوز ، كفرنسا ، أحوال التخلّف . فليس صحيحا أنّ الإسلام قد وقف في وجه العلم بل الصحيح أنّ جهلاء المسلمين هم الذين فعلوا ذلك ، وأنّ الأوروبيّين أنفسهم يضعون العقبات في طريق تقدّم المسلمين ، إذ إنّ السيطرة السّياسيّة والعسكريّة على بلادهم قد حالت بينهم وبين التّرقّي في العمران وأحواله [ جدعان ، أسس التّقدّم ، ص 472 ] . غير أنّ الوقائع الاجتماعيّة الّتي أصبح قاسم أمين أكثر وعيا بها بعد عودته من فرنسا وجّهته إلى الاعتقاد بأنّ الحالة الاجتماعيّة والأخلاقيّة السائدة في المجتمع المصري هي ممّا لا يمكن الرّضى عنه ، وأنّ نهضة اجتماعيّة شاملة هي أمر ضروري .
ويذهب قاسم أمين إلى أنّ إصلاح المجتمع والأمّة لا يتمّ إلّا ب « إصلاح المرأة » . فالمرأة في البلدان الإسلاميّة تعاني من الجهل ومن غياب التّربية الضّروريّة والحرّية والمكانة التي تؤهّلها لأداء دورها الإصلاحي في الأمّة .
وليس الإسلام هو السبب في تخلّف أحوال المرأة ، وإنّما هي التقاليد والعوائد وتخلّف أخلاق الأمم التي انتشر فيها الإسلام ، فضلا عن الاستبداد السياسي الذي ثبت أركان الأخلاق المرذولة في عوالم الإسلام
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 388
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٣٨٨