تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 385

مساهمون:

ص٣٨٥
التي يعانيها إنسان اليوم سببها عدم الانسجام بين القلب والعقل ، وبين المادة والروح . وإلى هذا الافتراق أو التنافر يرجع عثمان أمين الإحساس بالغربة والتمزق الداخلي ومعاناته النفسية . ولا منجاة من هذا إلا بأن يزداد الاهتمام بالروح ، وأن يكون هناك توافق بين الجانب الروحي للحضارة وبين الجانب المادي منها . ويشير عثمان أمين إلى أن التاريخ ينبئنا بأن الحضارات المزدهرة كانت تقوم على التوافق ، وعلى تنمية عناصر الثقافة الشاملة المتكاملة في جوانبها المتعددة من علم ، وفلسفة ، وأدب ، وفن على السواء . وتعكس الجوانية الإيمان الديني العميق في أعماق وفكر عثمان أمين ، وهو يعبر عن علاقة الجوانية بالدين بأنها تحاول النفاذ إلى جوهره ، وإدراك معنى وحقيقة الشعائر والعبادات التي فرضها الدين ، وتعيب على أولئك الذي لا يفهمون من الدين إلا أنه مجرد قيام وقعود ، وأيام تصام ، وأدعية تردد ، وابتهالات تحفظ . بحيث صور لهم الجهل أنهم بهذا أصحاب إيمان ودين . إن هذا يؤدي إلى أن تفقد تلك العبادات حقيقتها ومعناها ، وتصبح آلية مبتذلة لا يستسيغها صاحب العقل السليم ، فهؤلاء تتنفس الغيبة والنميمة بينهم ، وأكل أموال الناس بالباطل ، والكذب والرياء وإلحاق الضرر بالناس ، وإيذاؤهم في أموالهم وأعراضهم ، ولكن الدين الصحيح يقوم على حسن النية واستقامة الضمير ، والفهم الواعي لحقيقة تلك العبادات حتى تحقق الغاية والهدف منها . وكما تدعو الجوانية إلى استنارة العقل فإنها تنشد أيضا استقامة الضمير ، ولقد وجد « عثمان أمين » في الأخلاق الإسلامية طريقة تحقق تزكية الضمير . والأخلاق الإسلامية في نظره تقوم على العطاء والبذل والتضحية وتقديم الخدمة للآخرين ، بل تجعل خدمة المجتمع في صميمها عبادة اللّه ، وهي تعلي من شأن القيم الروحية ، وتهدف إلى تحقيق التوازن بين مطالب الجسم ومطالب النفس ، وترى أن الحياة الإنسانية لا تتحقق إلا إذا اتسمت بالسمة الأخلاقية الأصلية ، وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والعبادات الإسلامية من ثمراتها القيم الأخلاقية ، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، وكذلك القول في سائر العبادات . كان عثمان أمين محبا للعربية ، ولعلومها ، متقنا للكتابة بها ولفهمها ، وكان على رأس من لفتوا النظر بطريقة فلسفية إلى عمق هذه اللغة وثرائها الروحي ، وأنها تنحو نحوا من المثالية لا نظير له في أي لغة أخرى . وقد نبه عثمان أمين إلى ما اكتشفه من قدرة اللغة العربية على التعرف على الفروق الدقيقة بين الفكرة والخاطر والمثال والتعبير عن هذه الفروق ، كما بين عثمان أمين الجوانب الجوانية لهذه اللغة ، وهي المثالية الأصلية ، والحضور الجواني ، وصدارة المعنى ، والإعراب والإبانة ، ورسم الظلال والألوان ، والحرص على الإنجاز والتركيز مع دقة التعبير ، بالدعوة إلى الحركة والاتجاه إلى القوة والوعي .

آثاره

يعد عثمان أمين بمثابة التلميذ الروحي للإمام محمد عبده في الجيل الذي لم يعاصر الأستاذ