تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 373

مساهمون:

ص٣٧٣
عينيه الصافيتين وثغره الزاهي الرقيق سعادة تجعل العذاب حلوا ، وهناءة تجلو عن النفس العناء والهمّ :
لصفاء عينيك العذاب * يحلو العذاب فلا عذاب ولثغرك الزّاهي الرّقيق ، * وقد تفتّح عن حباب تتهنّا النفس العنا * ويلذّها خوض الصّعاب
ويمضي الشاعر في عزف ألحان الأبوة ، فيخاطب وليده بأرقّ الكلمات وأحلاها وقعا على الآذان :
يا بسمة بفم الزّمان * ودرّة من غير عاب يا زهرة قدسية الت * كوين عابقة الملاب أبراء ، يا بردا لرو * حي لاح في نعماته آب
ونقف مع الشاعر في قصيدته الخالدة « أب » ، وهي من عيون الشعر الإنساني ، نرصد فيها شعوره المتدفق الزاخر نحو أولاده ، فإذا نحن أمام قلب أب يتكلم ، فلا تسمع منه إلا الحب والرحمة والرضا والسماحة والحنان . إنه يصور مشهد أولاده الصاخب الضاجّ بالحركة والحياة والانطلاق والمرح في مصيف « قرنايل » بلبنان ، ثم يصور رحيلهم ووقع هذا الرحيل في نفسه :
أين الضجيج العذب والشّغب * أين التدارس شابه اللّعب أين الطفولة في توقّدها * أين الدّمى في الأرض والكتب أين التشاكس دونما غرض * أين التشاكي ما له سبب
وهكذا ترافقنا ظلال الرحمة والحنان والحب في هذا الديوان ، فلا نكاد نقع على قصيدة إلا وقد ظللّها الأب الشاعر بهذه الظلال النفسية الشفيفة الرائعة ، وقد صبغها بصبغه العاطفي . إنّ الدارس المتأمل لديوان « أمي » يقرأ فيه أجمل معاني البنوّة البارّة ، ويقف على أروع مواقف الإيمان والتسليم والرضا بقضاء اللّه وقدره ، ويرصد أسمى العواطف وأجلّها وأصدقها ، ويطالع ضروبا من الأفكار الإنسانية الخالدة ، ويستمتع بأصالة فنية ثرّة في التعبير عن هذه المواقف والعواطف والأفكار . لقد كان ديوان « أمي » في مجموعه إيقاعا واضحا للبنوة البارّة ، لا تكاد تخلو منه قصيدة من القصائد ، ذلك أنه شعور الحب والوفاء بالجميل والتنويه بفضل الوالدين كان يملأ نفس الشاعر الأميري ، ويزحم أقطار حسّه ، ويملك عليه تفكيره ، منذ تفتحت شخصيته للحياة . يقول في قصيدته « موئلي ومناري » التي نظمها في أول سفرة له بعيدا عن والديه ، وهو في السابعة عشرة من عمره ، إذ استشعر بعمق وصدق مكانة والديه في نفسه :
أبتي وأمّي موئلي ومناري * بكما اعتزازي في الورى وفخاري
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 373 | المنجي بوسنينة