مضاربها على مشارف ولايات تكانت ، ولبراكنه ، وغورغول .
ولد سيدي محمد بن بادي حوالي سنة 1308 ه في بيئة علمية راسخة الجذور وفي أحضان أسرة تسلك سبيل المشيخة ، من علم وصلاح وتربية صوفية ؛ وتربى على يد والده الشيخ محمد أحمدو الذي اشتهر بالعلم والورع والاستقامة والزهد في الدنيا ، وقد نهل ابنه سيدي محمد من معين علمه وترسم خطاه في أخلاقه وسلوكه وتأثر به تأثرا بالغا حتى قيل إنه كان يمثل نسخة طبق الأصل من أبيه .
عكف سيدي محمد على حفظ القرآن وهو في ريعان الصبا على المقرئ محمد عبد الرحمن بن الحابوس ، ثم التحق بمحضرة أهل أبات بتكانت ، وهي محضرة شهيرة طبق إشعاعها آفاق الإقليم وتميّزت بتعدّد الاختصاصات التي تدرس فيها ، فانكب على دراسة العلوم الشرعية واللغوية آخذا الفقه عن العلامة محمد بن أحمد بن أبات ، كما أخذ النحو وغيره من علوم اللغة عن العلامة محمد الحسن بن الشيخ عبد الرحمن بن أبات .
وقد استطاع سيدي محمد بن بادي أن يواكب مختلف الفروع المعرفية التي تدرس في هذه المحضرة العريقة ، وأن يستوعب جملة من العلوم في آن معا ، حتى نبغ فيها جميعا خلال فترة وجيزة ، تساعده في ذلك همة عالية وبصيرة نافذة وذكاء ثاقب . وهكذا كان تضلعه من علوم الظاهر إلى جانب التربية الروحية التي أسداها إليه والده عاملا في تكوين شخصيته بشكل متوازن . وسنرى أثر ذلك في عطائه المعرفي الذي اتسم بتكامل علوم الحقيقة والشريعة .
على أن سيدي محمد لم يقتصر في مسيرته العلمية على مرحلة التحصيل في محضرة أهل أبات ، وإنما استمر في بحثه الدؤوب عن مصادر أخرى للمعرفة ، يحدوه ولع كبير للاطلاع على مكامن الثروة العلمية في منطقته وخارجها ، فكانت له اتصالات واسعة بالعلماء المعاصرين له أخذا وعطاء ، وعرف عنه شغفه بلقيا كل من يأنس فيه فضلا أو صلاحا ، وكان لا يسمع لأحد منهم حل قريبا إلا زاره وأفاده واستفاد منه ، وكثيرا ما تجشم عناء الرحلة ليصل إلى أحدهم رغم بعد الشقة ، وقد حدثنا الفاضل ابنه محمد يحيي أنه كان حتى آخر عمره يقوم برحلة سنوية من تكانت إلى غورغول يتتبع فيها معاقل العلم ومزارات الصالحين توخيا للاستزادة من العلوم ، عملا بالآية الكريمة :
وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً
[ طه : 114 ] ، وتعرضا للنفحات الربانية ، وبذلك نرى تواضعه الجم وحرصه على إحراز الخير حيثما وجد ، طالبا العلم من المهد إلى اللحد ، لا تصرفه عن ذلك ألقاب المشيخة التي يحملها .
ومن أشهر الفضلاء الذين شد إليهم الشيخ سيدي محمد الرحال ، الشيخ أحمد بن آدبه ، والجيلي بن أحمد امبوسيف ، وهما من قبيلة كنته ، والشيخ محمد الحسين بن باباه العلوي ، وبدين بن عبد الرحمن الجكني ، وسيدنا بن الإمام من قبيلة أهل أبات وغيره من أعيان محضرة أهل أبات ، وفي منطقة لبراكنه التقى الشيخ عبد الرحمن بن بلال ، والشيخ محمد الخليفة بن محمد بن أحمد ، وغيرهم كثيرين .
وقد تمخضت هذه اللقاءات عن تلاقح