الأخرى الّتي لم تظهر فيها مثل هذه المكتبات إلّا في العهد الجمهوري ، فاشترى منها بعض أمّهات كتب الحديث ، وبعض دواوين الشّعراء المشهورين ، كما اشترى كثيرا من كتب زعماء النّهضة الحديثة مثل جمال الدين الأفغاني ، ومحمد عبده ، ومحمد رشيد رضا ، وشكيب أرسلان ، وعبد الرحمن الكواكبي ، وغيرهم ، واشترك في جريدة « الشّباب » الّتي كان يصدرها المجاهد الفلسطيني محمد علي الطاهر فتوسّعت معارفه وتنوّعت ثقافته فانعكس ذلك على طلّابه ، ولا سيّما المتفوّقين منهم الّذين جمعوا بين الثّقافتين الإسلاميّة التّقليديّة والعصريّة ، فتكشف لهم حال اليمن وما تعانيه في ظلّ حكم الإمام يحيى حميد الدين والحكّام من أولاده من ظلم وجهل ، وزادهم يقينا بظلم هؤلاء الحكّام تحويل الأمير الحسن بن الإمام يحيى حاكم لواء إبّ أوقاف هذا الرّباط عن مصارفها الّتي سبّلت لأجلها فتعطّل الرّباط وشلّت يد مدرّسه من مواصلة رسالته التّعليميّة ، فكان هذا دافعا للمترجم له للتّفرّغ للعمل السّياسي ، ولا سيّما بعد أن فشت المجاعة الّتي حدثت سنة 1362 ه / 1943 م في لواء إبّ ، وبلاد مغارب صنعاء وحجّة والشّرفين فقضت على الآلاف من النّاس الّذين ماتوا جوعا ، بينما كانت مخازن الدّولة تفهق بأنواع شتّى من الغلال الّتي جمعت إليها باسم الزّكاة ، مع أنّها لو أنفقت على ذوي الحاجة آنذاك لما اشتكى أحد من مخمصة الجوع والفاقة ؛ لذلك فقد كوّن صاحب التّرجمة مع آخرين من كبار العلماء أمثال القاضي عبد الرحمن بن يحيى الأرياني رئيس المجلس الجمهوري السّابق ، ورؤساء العشائر مثل الفيلسوف الشّيخ حسن ابن محمد الدعيس ، وأعيان لواء إبّ ( جمعيّة الإصلاح للأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ) وجعلت مدينة إبّ مقرّا لها ، وقد اختير المترجم له رئيسا للجمعيّة ، كما اختار كل عضو لنفسه اسما حركيا ذا مدلول تاريخي على النّزعة القحطانيّة .
وبدأ اتّصال هذه الجمعيّة بالأحرار الّذين لجأوا إلى عدن ، وعلى رأسهم أحمد محمد نعمان ومحمد محمود الزبيري فرارا من ظلم الإمام يحيى وأولاده ، كما قويت صلة هذه الجمعيّة بالأحرار في صنعاء وذمار وغيرهما .
وما هي إلّا أشهر قلائل حتّى ظهر كتيّب بعنوان « برنامج الأحرار » طبع في عدن وصدّر بالبيتين الشّهيرين لشاعر اليمن الزبيري :
إن الأنين الّذي كنا نردّده * سرا غدا صيحة تصغي لها الأمم
والحقّ يبدأ في آهات مكتئب * وينتهي بزئير ملؤه نقم
فانتشر في إبّ ويريم وذمار وصنعاء وبعض الأسواق العامّة في نواحي إبّ في أوقات متقاربة ، ففزع الإمام يحيى وولداه الحسن حاكم لواء إبّ ، وأحمد ( وليّ العهد ) حاكم لواء تعز ، وأجمعوا أمرهم على اعتقال الأحرار في إبّ ونواحيها ، وفي تعز ونواحيها وفي ذمار وبعض الأحرار في صنعاء ، وتمّ ذلك في شوال سنة 1363 ه / 1944 م وسيق أحرار كلّ منطقة مصفّدين بالأغلال ، وهم يمشون على أقدامهم إلى تعز ، ومنها أرسلوا مكبّلين في القيود إلى سجون حجة ، وبقي المترجم له في سجنها إلى أن أفرج عنه يوم 21 جمادى الأولى سنة 1366 ه / 1947 م فاستأنف نشاطه