ثم عاد إلى مسقط رأسه زمن فتنة سني علي بير ( ملك سونغاي ) بمدينة تنبكت ، وقد قيل إنّه حرق المدينة وخربها وقتل فيها الكثير من أهلها وخاصة العلماء منهم ، وفرّ أكثرهم إلى ولاتة السالفة الذكر .
[ Ahmed Baba le Toubouctien ; La litterature arabe au Soudan ]
وهو على حدّ تعبير أحمد مهدي من العلماء الذين عمّ نفعهم في غربي إفريقيا ، لأنه دخل « كانوا » من مدن شمال نيجيريا وغيرها من مراكز الثقافة الإسلامية في المنطقة ، وذلك بعد عودته من المشرق ، وقام بمهمّة التدريس في معاهدها وتخرّج على يديه في تنبكت ، جماعة من مشاهير العلماء منهم أخوه الفقيه القاضي محمود بن عمر الذي درس عليه المدونة الكبرى في الفقه المالكي وغيره [ أحمد مهدي رزق الله ، ص 336 ] .
كان الرجل أستاذا في الفقه واللغة والنحو وكذلك في العروض . ولم ينقطع عن الأخذ بل جمع بين الأخذ والعطاء . يقول حفيده أحمد بابا : « ولم يزل دؤوبا مجتهدا في تعليم العلم وتحصيله حتّى توفي » [ التنبكتي ، م . س ، 12 ] .
وأشارت الدراسات إلى أنّه طلب للإمامة فأبى فضلا عن غيرها من المناصب ذات الصبغة السياسية ، هذا إذا استثنينا رواية دياب التي تنفرد بالقول بأنّه تولى القضاء بتنبكت وولاتا [ دياب ، أحمد إبراهيم ، ص 49 ] .
وبما أنّ الرجل كان من أهل العلم فقد وصف بعدّة صفات تليق بمكانته العلمية . ومن تلك الصفات أنّه كان خيّرا فاضلا صالحا متورعا محافظا على السنة والمروءة والصيانة والتحرّي محبّا للنبيّ صلى اللّه عليه وسلم وصحبه ملازما لقراءة قصائد مدحه ، ولقراءة كتاب « الشفاء » للقاضي عياض المالكي على الدوام باعتناء زائد [ التنبكتي ، م . س ، ص 11 - 12 ] .
ومن كراماته المشهورة أنّه لما زار القبر الشريف بالمدينة طلب الدخول في الغرفة المحيطة به فمنعه الحراس أو القيمون ، فجلس على الباب يمدحه ، فانفتح الباب وحده بلا سبب فتبادر الحاضرون إلى تقبيل يده .
وقد عقب أحمد بابا على هذه القصّة التي تبدو غريبة بقوله : « . . هكذا سمعت الحكاية من والدي رحمه الله وغيره وهي مشهورة عند الناس ، وحدثني والدي رحمه الله أنّه سأله عنها فسكت ولم يجبه » [ التنبكتي ، م . س ، ص 12 ] . وفي الحقيقة فإن أمثال هذه الكرامات هي محلّ جدل ونقاش بين المسلمين ، وإنها في نظرنا مسألة اعتقادية بحت يصعب الحكم عليها بالمنطق العقلي .
آثاره
حسب الدراسات التي اعتمدنا عليها فإن أحمد بن محمد آقيت كان من العلماء الذين اهتموا بالدراسات الإسلامية واللغوية . وكتب بخطه عدّة دواوين وجمع كثيرا من الفوائد والتعاليق . كما ترك ما يقارب سبعمائة مجلد في مكتبة .
[ Cuoq joseph , Histoire de l'Islamisation de l , Afrique de l'Ouest , p . 209 ]
ويقول أحمد مهدي رزق الله : « . . . وأكبر دليل على مكانته العلمية ومقدرته أنه كتب بخطّه وترك مكتبة فيها نحو سبعمائة مجلد ، وتعد من أكبر المكتبات إذا قيست بتطور المكتبات منذ النصف الأول من القرن 10 ه / 16 م حتّى اليوم » [ أحمد مهدي . م . س ص 336 ] .