قد اتجه نحو مادة تخصصه الفقهي ليشق طريقه إلى الشهرة ، ويؤمن لأسرته مكانة اجتماعية مرموقة . ثم تولى وظيفة المدعي العام في جبل لبنان زمن المتصرف داود باشا ، وظل في مقامه هذا طول عهد المتصرف ( 1860 - 1868 ) : ثم اختارته وزارة المعارف لتدريس اللغة العربية في دار المعلمين بالآستانة . وكان هناك أستاذا لعدة وزراء عثمانيين وبعض سفراء الدول إضافة إلى مهمة تصحيح المطبوعات في نظارة المعارف .
ولمّا عاد الشيخ الأسير إلى بيروت مستقرّا فيها علّم اللغة والفقه والحقوق في المدرسة الوطنية للبستاني ، وفي الكلية السورية الإنجيلية للمرسلين الأمريكان ، وفي مدرستي الثلاثة الأقمار للروم الأرثوذكس والحكمة المارونية . وقد تخرّج على يده علماء كثيرون أمثال المستشرق مارتين هرتمان الألماني ، والبطريرك غريغوريوس الرابع .
وعاون الدكتور فانديك والشيخ ناصيف اليازجي في تعريب الكتاب المقدس ، ونظم ترانيم روحية مسيحية يترنم بها الأنجيليون في المنازل والكنائس .
وتولى رئاسة التحرير لجريدتي « ثمرات الفنون » ، و « لسان الحال » مدة .
وكانت وفاته في بيروت في السادس ( وقيل الرابع ) من ربيع الثاني 1307 ه / 28 تشرين الثاني / نوفمبر 1889 م .
وهو في الجملة أديب ولغوي مدقق ، وفقيه مرشد نبيه ، تألق نجمه في المرحلة المعطاءة والنشطة من مراحل الإحياء والانبعاث والنهضة ، فكان واحدا من رجال الرعيل الأول الذين أرسلوا طلائع الإصلاح ، وأطلقوا العمل الصحافي ، وجالوا في ميدان الشعر واستنهضوا الحركة اللغوية .
لقد بدأ الشيخ الأسير في بيئته الاجتماعية والفكرية ؛ وفي النشاط الذي بذله نموذجا للعالم الذي يمثل عصره بصدق : عصر الانفتاح على المعرفة ، والاستعداد الفائق لتقبل الثقافة بمختلف وجوهها ، ولا سيما مفاهيم المعارف الدينية واللغوية والأدبية .
ولما أننا وجدنا اهتمامه ونتاجه يتجلى في أربعة اهتمامات أساسية شغلت علماء عصره وبصمت مرحلة سخية من مراحل العطاء النهضوي ، جاز لنا أن نطلق عليها حركة الانبعاث والإحياء . فقد غدا الإحياء اللغوي المتمثل في نشر أمّهات التراث محققة نقية من الأخطاء نشاطا جادا صارت تتسع دائرته على أيدي العلماء باطراد وهو ما هيأ فرص الاطلاع على كنوز العربية وتطور التعليم . وفي خدمة هذا الاتجاه قدم الشيخ للقراء شرح كتاب « أطواق الذهب في المواعظ والخطب » للزمخشري حيث قام بضبطه وتقسيم أبوابه وترتيب موضوعاته وشرح ألفاظه وعباراته ، جاعلا منه كتابا متداولا يفيد منه الناس .
واتصل بهذا الغرض اتجاه التبسيط العلمي رديفا لحلقات الدرس والنقاش في المعاهد والمساجد والمجلات الرائجة . وقد مثلت الأمالي التي كان يضفيها الشيخ الأسير على المتون اللغوية والدينية إضاءات مهمة في تفسير النص ، وهو ما شكل حلقة تواصل حميمة بينه وبين طلابه ومريديه في صيدا وطرابلس وبيروت . ولعل شروحاته الرصينة لكتاب « رائض الفرائض » ، وبيانه لقضايا
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 693
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٦٩٣