الميراث على المذهب الحنفي خير دليل على تبحّر الأسير في اللغة والفقه الإسلامي .
وفي صلب هذين الاتجاهين ينشغل الشيخ الأسير سنوات طويلة ، وعلى مراحل متفاوتة ، غير متصلة ، بتصحيح المطبوعات عند المرسلين الأمريكان ، وتحديدا عبارة الكتاب المقدس الذي ترجموه من لغاته المقدسة إلى اللسان العربي ، ونظم لهم كثيرا من الترانيم المستمدة مواضيعها من المزامير والكتاب المقدس . وهي مطبوعة منتشرة ومستعملة في الكنائس الأنجيلية ، وكذلك توليه رئاسة التصحيح في نظارة المعارف في الآستانة .
وتمثل السنوات ما بين 1870 - 1889 ذروة نشاطه في حركة الإحياء على جميع الصّعد ، إذ شارك في تأمين الدراسات اللغوية والفقهية وفي حل القضايا العويصة في الواجبات والحقوق والفرائض ، وفي ما كان يكتبه من وقت إلى آخر في الجرائد والمجلات أمثال « لسان الحال » و « ثمرات الفنون » ناقدا ومناظرا وموجها ومتباريا مع أقرانه في المسائل اللغوية مما جعله في هذه الفترة الخصبة من نتاجه رمزا لشخصيات عهده المؤثرة والمكونة للحركة الفكرية .
ويشكل النقد اللغوي اهتماما مميزا في حياة الشيخ الأسير ، فقد نظر للتطور اللغوي وفق مراعاة قانون الأصالة وما قامت عليه اللغة العربية من أسس جوهرية ، ورأى من ثم أن كل تطور لا يراعي هذا المبدأ يبقى زيفا وخروجا على نظام المألوف في الحياة .
ونراه يتفق مع كوكبة من علماء اللغة على الاحتكام إلى القياس ، والتمسك بالمعايير المحافظة في هذا الاحتكام .
وقد بدا هذا الاتجاه في موقفه من الخصومة الأدبية التي دارت رحاها عنيفة بين أحمد فارس الشدياق وإبراهيم اليازجي ، ثم انسحبت على نقد الأعمال الصرفية والنحوية .
فقد انبرى الشيخ سعيد الشرتوني وقتذاك مدافعا عن كتاب ناصيف اليازجي « نار القرى في جوف الفرا » ومنتقدا كتاب الشدياق « غنية الطالب » في كتاب أسماه « السهم الصائب في تخطئة غنية الطالب » . فما كان من الشيخ يوسف الأسير إلا أن انتقد كتاب « نار القرى . . » انتقادا مرا ، ثم رد على الشرتوني بكتاب أسماه « رد الشهم للسهم » ، وكذلك فعل إبراهيم الأحدب ( 1826 - 1890 ) الذي دخل حلقة النقاش منتصرا للشدياق والأسير .
وأيّما كانت خصائص هذا الاتجاه ، أو نتائج هذه النقاشات ، وتلك الخصومة فإن النص الذي قدمه الأسير يشهد له عن علوّ كعب في قواعد اللغة وقدرة كبيرة في المحاججة ورد الدفوع . وقد تعقب الشيخ الأسير ناصيف اليازجي وردود الشرتوني على الشدياق في ما يزيد على السبعين مسألة في الصرف والنحو ، وهو ما يشكل صلب كتابيه اللغويين : « إرشاد الورى في تخطئة جوف الفرا » و « رد الشهم للسهم » .
ويقترن النقد الأدبي بتلك المحاججة اللغوية إذ قام الشيخ الأسير بالتصدي لأرجوزة الشيخ اليازجي المعروفة ب « الدودية » ، منتقدا هذه المرثية بيتا بيتا جاعلا إياها معرضا يحفل بالعيوب من قصور ، وسرقة ، وخطأ ، وتعقيد لفظي ومعنوي .
أما اهتمام الشيخ الأسير بالشعر فكان من جملة نشاط علماء ذلك العصر وأحد
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 694
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٦٩٤