المخالفين ، ثم نقرّر كلّ واحد من هذه الطرق الثلاثة . . . » [ ص 620 ] . الطّريق الثاني أن يستهلّ بنصرة مذهبه وإقامة الحجج على دعواه ، ثمّ يعمد إلى إبطال أدلّة الخصم ، ومثاله ما ورد في باب تعليل أصول العبادات والتقديرات فقد قال « اختلف الناس في إثبات أصول العبادات وغيرها من المقدّرات كالحدود والكفّارات بالقياس ، فذهب الكرخيّ وجملة من المتكلّمين إلى المنع منه . . .
وذهب الشافعيّ وأصحابه إلى جواز ذلك كلّه بالقياس ، وحكي عن أبي يوسف رحمه اللّه أنّه قبل خبر الواحد في إثبات الحدود . . .
والدلالة على صحّة ما ذهبنا إليه أنّ القياس إثبات الحكم بأمارة يغلب على الظنّ ثبوت الحكم بها إذا عرض على العقل . . . وأمّا المخالف فاحتجّ بقوله تعالى
فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ
[ الحشر : 2 ] وغيره من الدلائل الموجبة للقياس على سبيل الإطلاق ، والجواب أنّ هذه الدلائل تقتضي التعبّد بالقياس فيما تعرف علّة القياس فيه وأمكن تعديته فيه بالمشاركة في العلّة وهنا لا يمكن . . . » [ ص 623 - 626 ] . والكتاب حقّقه وعلّق عليه محمّد زكي عبد البرّ وطبعته لأوّل مرّة مكتبة دار التراث - القاهرة ، 1412 ه / 1992 م ؛ 2 - « طريقة الخلاف في الفقه بين الأئمة الأسلاف » ، وهو مصنّف مفيد ؛ جمع فيه المؤلف أكثر من مائتي مسألة فرعيّة مختلف فيها وزّعها على ( 32 ) كتابا . أوّلها كتاب الطّهارة ، وآخرها كتاب الجنايات . وهو وإن حرّر بأسلوب جامع بين الدقّة والوضوح ، ورتّبت مباحثه ترتيبا حسنا إلّا أنّه يعرب عن نزعة مذهبية جليّة ، فقد انتصر فيه الأسمندي لمذهبه الحنفيّ وتصدّى لدحض مستنبطات غيره مراعيا في ذلك قواعد الجدل والمناظرة .
ولا غرو في هذا فقد ظهر في عصر نما فيه التعصّب وترسّخ ، وعاش في بيئة اشتدّ فيها النزاع بين الحنفية والشافعية واستفحل ، وقد سلك منهجا واضحا طرده في جميع المسائل مفاده أن يذكر الفرع ويعلّل قول الأصحاب فيه ، ثم يورد اعتراضات المخالف ، وهي قوادح راجعة إلى طريقي المنع والمعارضة ؛ والمراد بالأول إنكار مقدمات الدليل كلّا أو بعضا ، وقد عدّه الحنفية أصل المناظرة ، لكونه موضوعا على شكل النزاعات في الدعاوي المتعلّقة بالحقوق ، وبالثاني التسليم بدليل الخصم ومعارضته بمثله أو بما هو أقوى منه . ثم يجيب المؤلّف عن تلك الاعتراضات بالمنع لينتهي إلى إثبات دعواه وتقرير مطلوبه ، ومثاله ما جاء في المسألة الخامسة من كتاب الزكاة « مسألة لا تجب الزكاة في المال الضّمار وعنده تجب ، والوجه فيه أن مال الضّمار ليس بنام ، فلا تجب الزكاة فيه قياسا على ثياب البذلة . . . فإن قيل التعليل يشكل بالمال الموضوع في صندوقه ، إذ نسيه حتّى حال الحول ، وبالدين على المفلس المقرّ . . . ثم نقول لا نسلّم بأن دليل النماء هو القدرة على التجارة . . . ولئن سلّمنا أنّ دليل النماء هو القدرة ولكن لم قلتم بأنه لم توجد ؟ . . . ثمّ هذا معارض بقوله تعالى
وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ
[ المعارج : 24 ] ، وقوله عليه السّلام : « في الرقة ربع العشر » . . .
الجواب : أما المال الموضوع في الصندوق فلا يرد نقضا . . . وأما الدّين على المفلس قلنا القدرة ثابتة ثمة في الجملة . . . قوله بأن دليل النّماء هو الصّلاحية للتجارة قلنا ليس كذلك ، لأن الصّلاحية قد تفضي وقد لا تفضي . . . وأما