وتحلق إليه أجنحة الشاعر وانفعالاته الكبيرة الخالدة . . . » [ محمود حسن إسماعيل ، مقدمة ديوان « أين المفر » ، الأعمال الكاملة ، ص 647 ، 648 ، سنة 1993 ، نشر دار سعاد الصباح ] .
بهذا الفهم العميق لطبيعة الشعر جاء محمود حسن إسماعيل : « خلاصة فنية راقية لكل الجهود الأدبية والنقدية قبله » [ ا . د . محمد أبو الأنوار ، التراث الشعري ودوره في مراحل تطور الشعر العربي ، مجلة جذور ، ص 144 العدد 14 رجب 1424 ه ] حيث الجمع بين القدرة البيانية الرصينة في رصف الشعر وبنائه لدى تيار المحافظين ، والذهنية الراقية المحلقة لدى تيارات التجديد ، تلك الذهنية التي استحالت لديه اهتماما دائبا « باكتناه المجهول ، واكتشاف أسرار النفس الإنسانية ، مما يضفي على بعض قصائده مسحة صوفية دقيقة » [ ا . د . محمد فتوح أحمد ، الحداثة الشعرية من منظور رمزي ، ص 62 ، دار الثقافة ، القاهرة 1991 ] « تتضح رؤيتها وتزداد إشراقا كلما تقدمت بالشاعر السن أو صهرته التجارب والمحن » [ الزركلي ، الأعلام ، ص 163 التتمة ج . 2 ] .
هذا بالإضافة إلى رومانسيته الأصلية التي فطر عليها من نشأته بين ربوع الريف الخلابة في صعيد مصر ، والتي عمقها لديه وجوده بين شعراء مدرسة « أبوللو » فترة غير قصيرة ، هذا فضلا عن تأثره بأدب المهجريين الذين غلب على إبداعهم الطابع الرومانسي الحزين .
وأخيرا تأتي واقعية التجربة الشعرية أحد أهم محددات فهم محمود حسن إسماعيل للشعر وطبيعته ، حيث انغمس في البيئة المصرية بعمق لافت يفسره أنه « منذ دواوينه الأولى يملك رؤية اجتماعية على قدر كبير من الوضوح والنفاذ ، بل من الحدة أحيانا . . . ولم تفقد هذه الرؤية إنسانية وصوفية أكثر رحابة وروحانية » [ علي عشري زايد ، قراءات في الشعر العربي المعاصر ، ص 18 ، القاهرة ، دار الفكر العربي ، 1998 ] .
هكذا تخلل محمود حسن إسماعيل البيئة المصرية وتخللته ، فكأنما خلق ليستل أعماقها ، فإذا هي أبيات تقرأ مصورة هذا الوجود أدق تصوير يقول :
خلقت لأرتاد روح الحياة * وأستّل أعماقها للوجود
ومهما سرى قبلي السائرون * فإني على كل خطو جديد
وهذه الجدة ، سواء على مستوى المضمون أو الشكل ، تذكرنا بنزعة المتنبي في أصالته التي انتزعها من السّمات الخالدة للشعر العربي ثم طبعها بطابعه وأفاض عليها من عطائه .
اتجه محمود حسن إسماعيل في شعره اتجاها ابتداعيا عاطفيا حيث الإبداع المنطلق المتحرر الثائر على التقليد ، سواء في الشكل أو في المضمون ، معتمدا في الوقت ذاته على الوجدان العاطفي المتدفق .
ويتميز محمود حسن إسماعيل في شعره بعدد من الخصائص الفنية التي تفرده بين معاصريه شاعرا عربيا أصيلا فهو : « من أكثر الشعراء المعاصرين دورانا حول كنه تجربته الشعرية وتصوره لأبعادها وأسلحتها ومداها بل تفردها » [ د . أحمد درويش ، الكلمة والمجهر ، ص 70 ] .