تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 619

مساهمون:

ص٦١٩
الفقه ، ولا سيما عند الغوص في دقائقه ، فهو يتبع شيوخه ومن سبقه في الظواهر فقط إذ يقول : « نحن نجري مع أبي العباس في ظواهر الفقه دون الدقائق » ، ( وأبو العباس هو أحمد ابن عمر بن سريج ( ت 306 ه / 918 م ) ، وكان من كبار فقهاء الشافعية ، تولى قضاء شيراز ) [ الشيرازي ، طبقات ، ص 109 ] ، لكن أبا حامد كان يثني على من سبقه من الفقهاء الذين نهل منهم معارفه ، فمثلا قال عن الطبري ( ت 310 ه / 922 م ) ، صاحب « التفسير » و « تاريخ الرسل والملوك » : « لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصّل تفسير محمد بن جرير لم يكن كثيرا » [ الذهبي ، العبر ، 1 / 460 ] ، إشارة منه إلى أهمية هذا التفسير ، بحيث يحق للفرد أن يبذل جهده للحصول عليه . أما شيوخه في علم الحديث ، فمنهم : عبد الله بن عدي الذي حدث عنه بشيء يسير ، وكذلك أبو بكر الإسماعيلي ، كما سمع السنن من أبي الحسن الدارقطني ، وحدث عن إبراهيم بن محمد بن عبدك الشعراني . وبعد إكمال تحصيله العلمي ، بدأ العلماء والطلاب ( المتفقهة ) يرحلون إليه للأخذ من علومه ، وحضور مجالسه العلمية التي خصصت للتدريس وعقد المناظرات والإفتاء ؛ وكان كثير الاعتزاز بمجالسه ، روي أنّ قارئا في مجلسه قرأ :
لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً
[ القصص : 83 ] ، فقال الشيخ أبو حامد : « أما العلو فقد أردنا ، وأما الفساد فما أردنا » ، وهو القائل : « ما قمت من مجلس النظر قط ، فندمت على معنى ينبغي أن يذكر فلم أذكره » ، وكانت الهيبة والوقار والسكينة تطبع مجلسه كسائر المجالس العلمية ، لذلك يروى أنه عندما قابله بعض الفقهاء في مجلس المناظرة بما لا يليق ، ثم أتاه في الليل معتذرا إليه ، قال أبو حامد :
جفاء جرى جهرا لدى الناس وانبسط * وعذر أتى سرا فأكد ما فرط ومن ظن أن يمحو جلي جفائه * خفي اعتذار فهو في أعظم الغلط
ومجالسه كانت مزدحمة بالفقهاء وطلاب العلم ، فيذكر المؤرخون أن عدد من كان يحضر مجالسه أكثر من ثلاثمائة فقيه ومتفقه ، وقيل سبعمائة فقيه ومتفقه . وممن حضر مجلسه ، أبو الطيب طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر الطبري القاضي الفقيه الشافعي ( ت 450 ه / 1058 م ) ، حيث رحل إلى بغداد وحضر مجلس الشيخ أبي حامد [ الشيرازي ، طبقات ، ص 127 ] ، كما حضر مجالسه الخطيب البغدادي ( ت 463 ه / 1070 م ) وقال : « رأيته غير مرة وحضرت تدريسه » ، وكانت مجالسه العلمية يعقدها في مسجد عبد الله بن المبارك في منطقة قطيعة الربيع ، وكان الفقهاء الذين يحضرون مجلسه يستمعون لدروسه ، ومنهم من يناظره في مسائل فقهية كثيرة . وممن ناظره في مجلسه ، أبو الحسين أحمد بن محمد بن أحمد بن جعفر القدوري ، الفقيه الحنفي ( ت 428 ه / 1036 م ) ، الذي انتهت إليه رئاسة الحنفية في العراق [ ابن خلكان ، وفيات ، 1 / 79 ] ، كما كان آخرون يعلقون عنه تعاليق مفيدة ، وكان ينصح بعض من يحضر مجلسه بأن لا يعلقوا كل ما يسمعونه أثناء المناظرة في الجدل وعلم الكلام ، لأن كل شخص من الطرفين