التي أنشئت في سراي طوب قابي . وبجانب إرثه العلمي وهويته السياسية ، واصل أسعد أفندي حياة الزهد وانتسب إلى الطريقة النقشبندية . وتوفي عقب فترة اللاله مباشرة ، ودفن بالقرب من غرفة الأمير البخاري التي توجد خارج أدرنة قابي باستانبول .
مارس أسعد أفندي نشاطاته العلمية في العهد الذي يعرف في الدولة العثمانية بفترة اللاله .
ويعتبر أهم المفكرين الذين عاشوا في هذه الفترة . وبجانب معرفته باللغة التركية ، واللغة العربية ، واللغة الفارسية ، كان كذلك يعرف اللغتين الأغريقية واللاتينية ، وبسبب ذلك اكتسب ميزة لم ينلها المدرس العثماني الكلاسيكي ، حيث قام بتأليف وترجمة عدد كبير من المؤلفات . كما أكسبته الوظائف التي شغلها والترجمات التي أنجزها والشروح التي كتبها والكتب التي ألفها شهرة مستحقة ، فأطلق عليه العلماء العثمانيون لقب « المعلم الثالث » .
وبالإضافة إلى ذلك كان عالما بالأديان السماوية الثلاثة . وتلقى عنه بعض علماء الدين المسيحي والدين اليهودي علوما في أديانهم ، لذا يمكن القول إن أسعد الينوي كان علّامة بمعنى الكلمة . ومن جانب آخر كان شاعرا جيدا يكتب الشعر باللغات التركية ، والعربية ، والفارسية . وشخّص أسعد أفندي معالم الركود في المسيرة العلمية للدولة العثمانية ، وبدأ في استنهاض الجانب العلمي مرة أخرى ، لذا كانت أهم سمة لترجماته هي ممارسة النقد حيال النموذج الذي كان يمثله السلطان محمد الفاتح وعلي كوشچو بعد فتح استانبول . وكان يؤكد على ضرورة اتباع مدرسة أرسطو في الفكر عوضا عن الفكر العثماني السائد ، ولهذا السبب اجتهد كثيرا في إحياء منطق أرسطو من جديد بمعنى إحياء « الحكمة الطبيعية » من الناحية النظرية . وكان ينتقد كل من يتبنى نظرية مخالفة ، ويبين في ترجمة جديدة ل « أورغانون » لأرسطو أن الفيزياء علم نظري وفي الوقت نفسه علم برهاني ، وذكر أن ابن رشد قد أوضح هذا من قبل ، غير أنه يستدرك قائلا إن بعض علمائنا غير هذا الأمر فيما بعد وجعل هذا العلم ضنيا ووهميا ، وهو بذلك يشير بطريقة غير مباشرة إلى أفكار علي كوشچو في كتابه « شرح التجريد » .
إن هذا النمط من التفكير لدى أسعد أفندي كان يعكس التوجهات الفكرية للعلماء العثمانيين في عصر النهضة ، وهو النمط الذي هيأ الأرضية لظهور نتائج إيجابية في مجابهة أوروبا الغربية في عصرها الحديث . وضمن هذا الإطار ترجم أسعد أفندي أغلب مؤلفات أرسطو في المنطق والفيزياء إلى اللغة العربية ، وتمت هذه الترجمات بناء على أوامر من الصدر الأعظم إبراهيم داماد باشا النوشهيري وكذلك من شيخ الإسلام عبد الله أفندي ، وكتب لها كذلك شروحات وضمنها تصحيحات لأفكاره مفضلا عليها أفكار ابن رشد وآرائه . وكذلك أدرج أفكارا لفلاسفة لاتينيين مثل بركوس ماجنوس ، وسكوتوس أريجينا ، وثوماس أكويناس ، وفلاسفة مسلمين مثل الفارابي ، وابن سينا ، ونصير الدين الطوسي . وتميّز أسعد أفندي باستخدام بسيط وسهل للغة العربية في ترجماته ، كما ذكر في هذه الترجمات عددا كبيرا من العلماء والفلاسفة ، واقتبس الكثير من شروحات
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 605
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٦٠٥