ورحل إليه في النوازل والواقعات ، فضلا عمّا كان يتمتّع به من أخلاق رضيّة ، ونفس زكيّة ، وميل إلى فعل الخير والصّفح الجميل .
لقد كان الإمام أبو نصر الإسبيجابيّ عالما تقيّا ، وفيّا لأقرانه ومعاصريه من العلماء ينظر إليهم نظرة إجلال واحترام وتقدير ، بعيدا عن حسد العلماء المتعاصرين ووقيعة بعضهم ببعض ، والتشهير ، والتعرّض إليهم عند حصول خطأ غير مقصود في حكم أو فتوى ، فنراه يقوم بما يمليه عليه الشرع والواجب ، فيصحّح أجوبة تلك الفتاوى ويرسلها إلى أصحابها المستفسرين عنها ، ويدل على ما ذكرنا ما جاء في هذا النّصّ : « ووجد بعد وفاته صندوق له فيه فتاوى كثيرة ، كان فقهاء عصره أخطأوا فيها ، ووقعت عنده فأخفاها في بيته لئلا يظهر نقصانهم ، وما تركها في أيدي المستفيدين لئلا يعملوا بغير الصّواب ، وكتب سؤالاتهم ثانيا ، وأجاب على الصواب » .
وكان أبو نصر الإسبيجابيّ ذا اطّلاع واسع ومتابعة جيّدة لما يكتب علماء المذهب ، وما يصدر عنهم من مؤلّفات فيقرأ ما يكتبون ويدوّنون ملاحظاته ومآخذه على تلك المؤلفات بنظر ثاقب ، وفكر نيّر ، فقد أثبت في آخر « شرحه لمختصر الطحاوي » نقده للمسائل الفقهية التي دوّنها الشيخ أبو الحسن عليّ بن بكر الحنفيّ ولم يجمعها في مؤلّف ، وللشيخ الفقيه الحافظ أحمد بن منصور المظفّريّ في جمعه المطوّل لتلك المسائل الفقهية ، وثنائه على هذا الجمع فيقول : « وكان الشيخ الإمام أبو الحسن عليّ بن بكر ينشر هذه المسائل ، وكان في نشرها وذكرها شائعا ، إمام كل عصر وقوام كل دهر ، إلّا أنه لم يجمعها في مؤلّف ، وبعده الشيخ الفقيه الحافظ أحمد بن منصور المظفّريّ المتوطن سمرقند ، أكرمه اللّه في الدارين ، جمعها على غاية من التطويل ، وهو في كل ذلك مفيد ، وفي جمعها مجيد » .
توفّي أبو نصر سنة ثمانين وأربعمائة على ما ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون :
2 / 1627 ، وذكر أيضا في : 1 / 563 أنه توفّي سنة خمسمائة تقريبا .
آثاره
كان الإمام أبو نصر فقيها مناظرا ، تصدّر للإفتاء ، وولي القضاء فانشغل بهما ، وعلى غزارة علمه ، وعلوّ همّته ، لم تكن مؤلفاته على قدر مكانته العلمية فهي قليلة جدا ، وهي :
1 - شرح الجامع الصغير للإمام محمد بن الحسن الشّيبانيّ ( ت 187 ه / 803 م ) ؛ 2 - شرح الكافي ، للحاكم الصّدر الشّهيد محمد بن محمد الحنفي ( ت 334 ه / 946 م ) ؛ 3 - شرح مختصر الإمام الكبير أبي جعفر أحمد بن محمد الطّحاويّ ( ت 321 ه / 933 م ) ؛ 4 - الفتاوى ، وهي مجموعة أسئلة أجاب عنها .
ذكر أبو نصر منهجه في هذا الشرح لمختصر الطّحاوي ، والترتيب الذي سلكه فقال :
« وكان الإمام أبو الحسن عليّ بن أبي بكر ينشر هذه المسائل إلّا أنه لم يجعلها في تصنيف ولم يجمعها في مؤلف ، وبعده الشيخ الحافظ أبو نصر أحمد بن منصور الطّبريّ ( المظفّريّ ) السّمرقنديّ ، جمعها على غاية من