معطيات علم الفلك الحديث مع ثوابت الدين .
ومن هنا قام إبراهيم حقي باتباع سلوك غاية في التدبير ، إذ قام بترجمة الجزء المتعلق لهذا الموضوع في مقدمة « تهافت الفلاسفة » كما هو إلى اللغة التركية . ويبيّن الغزالي في هذا الجزء كيفية حدوث ظاهرتي الخسوف والكسوف ، وهو إذ يبيّن هاتين الظاهرتين وفق مبادئ علم الفلك يوضح عدم الجدوى الدينية في النقاش مع الفلاسفة حول مثل هذه المواضع العلمية .
ويبيّن الغزالي بأن خوض المرء في مثل هذه النقاشات هو خطأ بحق الدين لأن البراهين الرياضية والهندسة تدل دلالة قاطعة على صحة هذه الحقائق العلمية . ويوضح أنه إذا وجد حديث يتعارض مع هذه الحقائق العلمية وجب إعادة تأويل هذا الحديث بما يتوافق مع الحقيقة العلمية . وربما كان هذا الرأي هو الذي شجع إبراهيم حقي على بيان تركيب الأرض والطبقات التي تتألف منها وفق الأسس العلمية . ويؤكد أيضا على ضرورة التعريف بين أدوات البحث في العلوم المادية وأدوات البحث في العلوم الدينية ، أي أنه يلفت الانتباه إلى عدم الرجوع في المسائل غير الدينية إلى علماء الدين انطلاقا من الحديث النبوي « أنتم أعلم بشؤون دنياكم » .
وهنا أيضا يرجح أن يكون المقصود بالثور والسمك في الحديث الذي أورده ابن عباس ، رضي الله عنهما ، هما برجا الثور والسمك - إن ثبتت صحة الحديث .
ويستند إبراهيم حقي إلى آراء « أرباب الارصاد وأرباب الحساب والهندسة » في توضيحه بأن الهواء المحيط بالأرض يعاني في طبقاته المختلفة تغيرات مناخية ، ويوضح كذلك بأن حرارة الشمس تنعكس من اليابسة فيصبح الهواء القريب بذلك أكثر سخونة . وكلما تم الابتعاد إلى الأعلى انخفضت حرارة الجو وهو بذلك يبدي آراء قريبة إلى حد كبير للآراء العلمية السائدة في زماننا الحالي . ويوضح في الجزء نفسه من الكتاب بأن الفارق الزمني بين الرعد والبرق يرجع إلى الفارق الزمني بين سرعة انتشار موجات الصوت وسرعة انتشار موجات الضوء . وقد استفاد في هذه التوضيحات العلمية من كتاب « الشفاء » لابن سينا إلى جانب استفادته من ملاحظاته الشخصية . وقد ساق أدلة جديدة تثبت كروية الأرض ، وكان يعطي الأدلة العلمية ويسوق التوضيحات حول دوران الأرض حول الشمس وحول محورها وكيفية حدوث الليل والنهار ، ويورد المعلومات التفصيلية عن رحلة ماجلان حول العالم وكيفية قيام كريستوف كولومبس بكشف قارة أمريكا .
قام إبراهيم حقي بإعطاء المعلومات العلمية عن المواضيع المتعلقة بعلم تشريح الإنسان وعلم وظائف الأعضاء . وقد كانت هذه المعلومات متقدمة وتفصيلية إلى حد كبير بالمقارنة مع المعلومات التي كانت سائدة في عصره . أما معلوماته حول علم النفس فقد كانت في غالبيتها مستوحاة من مدرسة ابن سينا في هذا المجال بل هي تكرار لها . أما الجزء المتعلق بعلم الفراسة والذي خصص له جزءا مستقلا في كتابه « معرفتنامه » فيعتبر مهمّا جدا في تاريخ العلوم الإسلامية من ناحية البحوث التي أجريت في هذا المجال . وفيما يتعلق بالتركيب الأخلاقي للإنسان فإنه يتبع المفهوم المشائي التقليدي ، أي أن القوى المؤثرة في هذا التركيب تتألف من قوة الغضب والشهوة والنفس الناطقة .
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 471
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٤٧١