تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 470

مساهمون:

ص٤٧٠
والعقل الكلي والعقل النسبي » . ومن هنا يتضح لنا أن فكرة الأرضرومي عن الإنسان هي على النحو التالي : « أن الإنسان خلاصة الوجود وملخص لكل ما هو موجود وثمرة لشجرة الدنيا ومنتهى دورة الزمان » . [ معرفتنامه 26 - 27 ] . والمقصود بدورة الزمان هو الزمن المحصور بين الرقي والانهيار . وهو المفهوم نفسه الذي يتم تناوله في مدرسة أفلاطون الفلسفية ، وكذلك يتم تناوله في المدارس الفلسفية التصوفية المتأثرة بها في العالم الإسلامي منذ أيام جابر بن حيان . ويلخص لنا إبراهيم حقي الأرضرومي نظرية الشهيرة المعروفة ب « الاستحالة » موضحا أن الزمان قد شهد « بقدرة الله تعالى » تطور العناصر الأربعة إلى معدن ومن ثم إلى نبات وبعدها إلى حيوان وأخيرا إلى إنسان . ويبيّن في نظريته أن الارتقاء من طور إلى آخر شهد ظهور أطوار بينية . فالارتقاء من الحيوان إلى الإنسان شهد ظهور القردة كطور بيني . وهناك جدل دائر حول كون هذه النظرية التي بدأت منذ إخوان الصفا وابن مسكويه وتم تداولها بين العلماء العثمانيين مثل علي أفندي قنالي زاده ومحيي الكولشني قد اتخذت كلبنة استفاد منها لا مارك وداروين في وضع أسس نظرية التطوّر بعد حوالي نصف قرن من الزمان . أي أن نظرية التطور في العالم الإسلامي وجدت أفضل تعبير لها في نظرية إبراهيم حقي أرضرومي وآرائه لأنها ليست مجرد تطور بيولوجي فقط وإنما تطور على المستويين المادي والروحي ، وهي تمثل تطورا متكاملا يشمل جميع حقائق الوجود . وبالتالي تعتبر هذه النظرية مناقضة لنظرية داروين في التطور . وربط الأرضرومي التطور بالإرادة الإلهية على عكس داروين الذي جعلها مربوطة بالانتقاء الطبيعي . فحسب نظرية الاستحالة والتطور يعتبر الوجود سائرا في رحلة زمنية نحو الهبوط ابتداء من العقل الكلي المخلوق بقدرة الله تعالى نحو العناصر الأربعة ومن ثم التراب . وهذه الرحلة تدعى حسب النظرية ب « المبدأ » أو « قوس النزول » . ويبدأ الوجود بالتحول من هذه النقطة إلى المعدن فالنبات ثم الحيوان ومنتهيا بالإنسان . وبعدها تبدأ رحلة الإنسان نحو الكمال والنهاية أو الصعود إلى الحضرة الإلهية وهو الصعود المدعو ب « المعاد » أو « قوس العروج » . يبدو أن إبراهيم حقي تناول أولا قضية خلق الكائنات في كتابه « معرفتنامه » لأنها كانت تعتبر ضمن علم الفلك القديم أو « الهيئة القديمة » وهي بعيدة في محتواها عن مفاهيم القرآن والسنة ، بل ومن الصعب أن تحقق توافقا مع التطورات العلمية في صورتها غير المفهومة . لهذا السبب ارتأى أن يقوم بالشرح والبيان في هذا الاتجاه قبل أن يخوض في المضمار الذي يريده وهو علم الفلك الحديث أو « الهيئة الجديدة » . وكان حريصا على عدم إحداث البلبلة ، خصوصا أنه كان يعيش في عهد اتسم فيه العالم الإسلامي بالجهل والتعصب . أما مرجعه فيما يتعلق بعلم الفلك الحديث فقد كان كتاب « جهان نما » لمؤلفه كاتب چلبي . ولكن المخاوف كانت تراود إبراهيم حقي من مغبة نشوء ردود أفعال سلبية من الأوساط المتعصبة ضد هذه الأفكار ، لذلك اختار سبيل الاستفادة من آراء الغزالي في هذا المجال ، لما لهذا العالم من مكانة لدى المجتمع العثماني وعلمائه ، وهدفه إثبات عدم تعارض
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 470 | المنجي بوسنينة