تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 456

مساهمون:

ص٤٥٦
ثانوياتها ، واستقر فيها حتّى إحالته على المعاش عام 1959 ، ثمّ وفاته في الثاني من تموز ( يوليو ) 1968 دون أن يتزوج . اعتنى بدراسة التاريخ وفقه اللغة والفلسفة وتأثر بعدد كبير من المفكرين الفرنسيين والألمان مثل برغسون الذي أحبه وتأثر بفلسفته وتابع قراءته وشرح نصوصه ، ونيتشه ، وديكارت ، وكانت ، وبشكل خاص بفكر ( فيخته ) الذي شدد على أهمية اللغة في الوحدة القومية . يرى الأرسوزي أن للعرب فلسفة كاملة قائمة في ثنايا لغتهم ، لم يعبر عنها حتى الآن أي مفكر كلّيا ، إذ إن أحدا منهم لم ينتبه إلى أن الطريق التي تؤدي إليها يجب أن تستند إلى فهم نظام اللّغة العربية ، فاللغة العربية بما لها من قوة بيانية خاصة تبدع كل معنى من المعاني الوجودية الكبرى . ويشكل موضوع اللسان العربي العمود الفقري في فكر الأرسوزي ، وآراؤه حول اللسان العربي هي المدخل إلى نظريته الفلسفية العامة ، حيث يرى أنّ اللغة العربية هي مستودع التراث وأبلغ مظهر لتجلي عبقرية الأمة ، وعلينا أن نبدأ بعثنا القومي ببعث كلامنا ، وأن نعود إلى لغتنا ونحياها عن وعي ، لأن البعث يكون من الكلام إلى الينبوع . كما يرى أن الأمة من المرحلة التاريخية كالبذرة من موسمها ، ينمو كل منهما بنموّ العلاقة بينه وبين بيئته الخاصة ، وعلى هذا الشكل أيضا تنشأ العلاقة ، علاقة تواجد وتعاطف بين الأنا والأشياء ( الأنام ) بين الولد وأهله ، بين المرأة والرجل ، بين المبدع وإبداعه . والأمة تعني الأسرة أو ما هو امتداد للأسرة ، ويشير الذهن العربي - حسب الأرسوزي - إلى تلك الحقيقة باشتقاقه كلمة ( أم ) من مصدر ( أمّ ) فالأم يصدر عنها بنوها وهي منهم محط الآمال . كما أن الأمة هي مصدر الأخوة الاجتماعية ، وإن كلمة قومية تعني حسب اشتقاقها اللغوي : قيام ذوي القربى للدفاع عن حقيقتهم المشتركة ، عن تراثهم ومثلهم العليا ، وعلى هذا فإذا كانت الأمة تعني أصول القرابة بالدم والثقافة فإن القومية تدل على الشعور بهذه القرابة والعمل بمقتضاها . والأمة - حسب الأرسوزي - هي في الحدس العربي من الأم ، وهي منظومة حية ، جذورها في الطبيعة ، وتطلعاتها نحو الملأ الأعلى ، وللبيئة أثر في تكوّن الأمم ، ولكن الأمم تختلف من البيئة موقف المسلّم لها أو المقاوم ، وتقوم الأمة على بنيان رحماني مشترك ، روابط طبيعية بين ذوي القربة ، فهي امتداد للأسرة وهي عقيدة وعبقرية تتخطّى حدود التجلي إلى الإبداع . وفي ضوء ذلك فإن العهد الجاهلي هو عهدنا الذهبي ، فالجاهلية عهد الفطرة ، وهي العهد الذي نشأ فيه كياننا الإنساني بصورة عفوية فجاءت مؤسساتنا القومية متلازمة متتامة ، وإن كانت الجاهلية تمثل طور الشباب من حياة أمتنا ، فإن الإسلام يمثل سن الاستواء ، سن النضج ، والإسلام رسالة تؤسس الوجود الإنساني . وإننا ندين بمجدنا القومي للإسلام ، ندين لمحمد نبيّ الإسلام ، وهل يجوز لنا أن نفصل بطل الأمة عن رسول الإسلام إلى العالم في شخص محمد ؟ . أما الدولة فهي في نظر الأرسوزي شخصية الأمة الواعية ، وهي ذات جذور في الملأ الأعلى ، فالدولة شخص الأمة في طور التحقق وظل حقيقتها المثلى ، والثورة