المستوفية شروط كيانها هي التي يتم بها انقلاب في نظام قيم المجتمع ، وتقاس قوتها بمدى ما تحدث من تحويل في نظام القيم .
لقد أخذ الأرسوزي الثنائية البرغسونية أو الصيرورة البرغسونية ، وتقوم نظريته على جدلين كما يقول الدكتور خليل أحمد : الجدل الأول هو أن المعنى ( الإله ) متجلّى في الحياة ، وأن الحياة تتجلّى في الأمة ، والأمة تتجلّى في العبقرية ، وتتجلّى العبقرية العربية في لسانها . والجدل الثاني أن دراسة اللّغة أو اللسان العربي تبعث عبقرية الأمة وأن بعث الأمة يبعث الحياة ، وبعث الحياة ارتقاء إلى المعنى ، والمعنى هو القادر على كل شيء .
يميز الدكتور ناصيف نصار رأي الأرسوزي من رأي أفلاطون في ( حيوية اللغة ووحدانية الأسماء مع الأشياء ) . فيقول إن مشكلة أصل اللغة مشكلة قديمة ، نجدها مطروحة بكل وضوح في محاورة أفلاطون التي عنوانها ( أقراطيليوس ) . . . وموقف الأرسوزي منها ليس في الحقيقة بالموقف الجديد إلّا أنه موقف متميز بقطعيته الوحيدة الجانب ، فالأرسوزي يرى أن ضياع جذور الكلمات في لغات الشعوب الحضارية المتقدمة ، لا يعني أن المشكلة مستعصية على الحل ، فاللسان العربي يدل بسبب احتفاظه بجذوره ، على كيفية نشوء اللغة ، وعلى كيفية ارتباطها بالكائن اللاغي وبالعالم الخارجي ، لقد نما اللسان العربي نموا خاصا ، حتّى أصبح أداة بيانية متكاملة ، نما ابتداء من الأصوات الطبيعية البسيطة ، ومن عبارات الهيجان الطبيعية ، فكانت كلماته وسائل طبيعية للتعبير عن المعاني الوجدانية والطبيعية ، فالصورة الصوتية من جهة والصورة المرئية من جهة أخرى ، تتآلفان في الكلمة العربية لتأدية المعنى ، فالبيان المعنوي هو قوام بيانين :
بيان صوتي وبيان مرئي ، وتحليل كل كلمة إلى هذين البيانين هو السبيل لاكتشاف المعنى الأصلي لها . ومن جهة ثانية ينتج عن تصالب الصوت والخيال المرئي انعدام المترادفات ، وتميز تطور الكلمة العربية وتردد الذهن العربي المحسوس والمعقول ، والحل الذي يراه الأرسوزي لنشوء اللسان العربي وبالتالي لنشوء اللغة إجمالا ، هو إذن الحل الواقعي الطبيعي . وإذا أردنا مزيدا من الدقة قلنا إنه الحل الواقعي الحيوي . . . إلا أن الحدس الفلسفي المحوري عند الأرسوزي ليس حدس الجوهر بقدر ما هو حدس الحياة ، فاللسان العربي بيان حيوي ، تلك خاصيته الكيانية ، وهذه الخاصية هي ما يهمنا أولا من أفكار الأرسوزي حول اللسان ودلالته الفلسفية .
ويقول رفيقه وصديقه أنطون المقدسي إن الأرسوزي لم يقرأ محاورة أفلاطون اللغوية . . . وإنما قرأ أفلوطين ، ودرس الرومانطيقية الألمانية وعرف فيخته في رسائله إلى أمته . لقد قرأ أفلوطين كله وأسأله أنا عنه فيجيب : حسن ، ممتاز . . إنه فكري يصوغه فيعجز عن أدائه كاملا ، والحق بجانب الأرسوزي حسب رأي المقدسي ، بمعنى ما ، فأفلوطين كأفلاطون ، يحتفظ للمحسوس بوجود ما ، في حين أن « الشيء » عند الأرسوزي من « المشيئة » فهو من إنشاء المعنى . وعن صلة الأرسوزي بالرومنطيقية الألمانية ومفهوم الشعب القومي عند فيخته يقول المقدسي إن الأرسوزي عرف منذ سني
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 457
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٤٥٧