ولم يكن من تسمّى بالخلافة قطّ أصغر منه ومن المستنصر ، وكان المستنصر أكبر من هذا ، ولم يقدر يركب وحده على الفرس لصغر سنّه .
وقام بتدبير دولته الأفضل ابن أمير الجيوش أحسن قيام ، ولم يزل كذلك يدبّر الأمر إلى أن قتل سنة خمس عشرة وخمسمائة « 1 » .
وقال ابن خلّكان : بويع الآمر يوم مات أبوه ، وقام بتدبير دولته الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش ، وكان وزير والده ، ولمّا اشتدّ الآمر وفطن لنفسه قتل الأفضل ، واستوزر المأمون أبا عبد اللّه محمّد بن أبي شجاع فاتك بن أبي الحسن مختار المعروف بابن فاتك البطائحي ، فاستولى هذا الوزير عليه ، وقبح سمعته وأساء السيرة ، ولمّا كثر ذلك منه قبض عليه الآمر أيضا ليلة السبت رابع شهر رمضان سنة تسع عشرة وخمسمائة واستصفى جميع أمواله ، ثمّ قتله في رجب سنة احدى وعشرين ، وصلب بظاهر القاهرة وقتل معه خمسة من اخوته ، أحدهم يقال له : المؤتمن ، وكان متكبّرا متجبّرا خارجا عن طوره ، وله أخبار مشهورة .
وكان الآمر سيّء الرأي ، جائر السيرة ، مستهترا متظاهرا باللهو واللعب .
وفي أيّامه أخذ الفرنج مدينة عكا في شعبان سنة سبع وتسعين وأربعمائة ، وأخذوا طرابلس الشام بالسيف يوم الاثنين لاحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجّة سنة اثنتين وخمسمائة ، وكان أخذهم لها بالسيف ، ونهبوا ما فيها ، وأسروا رجالها ، وسبوا نساءها وأطفالها ، وحصل في أيديهم من أمتعتها وذخائرها وكتب دار علمها وما كان في خزائن أربابها ما لا يحدّ عدده ولا يحصى ، وعوقب من بقي من أهلها ، واستصفيت أموالهم ، ثمّ وصلتها نجدة الصمريّين بعد فوات الأمر فيها .
وفي هذه السنة ملكوا عرقة ، وكان نزولهم عليها أوّل شعبان من السنة المذكورة ، وفيها ملكوا بأنياس ، وفيها تسلّموا جبيل بالأمان ، وتسلّموا قلعة تبنين يوم الجمعة لثمان بقين من ذي الحجّة سنة احدى عشرة وخمسمائة ، ثمّ تسلّموا مدينة صور يوم الاثنين لسبع بقين من جمادي الأولى سنة ثمان عشرة وخمسمائة ، وكان الوالي بها من جهة الأتابك
هامش
( 1 ) الكامل في التاريخ 6 : 411 .