وقال أيضا : وفي سنة ثلاث وأربعمائة قلّد الرضي الموسوي صاحب الديوان المشهور نقابة العلويّين ببغداد ، وخلع عليه سواد ، وهو أوّل طالبيّ خلع عليه السواد « 1 » .
وقال أيضا : وفي سنة ستّ وأربعمائة توفّي الشريف الرضي صاحب الديوان المشهور ، وشهد جنازته الناس كافّة ، ولم يشهدها أخوه لأنّه لم يستطع أن ينظر إلى جنازته ، فأقام بالمشهد إلى أن أعاده الوزير فخر الملك إلى داره ، ورثاه كثير من الشعراء ، منهم أخوه المرتضى ، فقال :
يا للرجال لفجعة جذمت يدي * ووددتها ذهبت عليّ برأسي
ما زلت آبي وردها حتّى أتت * فحسوتها في بعض ما أنا حاسي
ومطلتها زمنا فلمّا صمّمت * لم يثنها مطلي وطول مكاسي
لا تنكروا من فيض دمعي عبرة * فالدمع خير مساعد ومؤاس
واها لعمرك من قصير طاهر * ولربّ عمر طال بالأرجاس « 2 »
وقال ابن أبي الحديد : حفظ الرضي رحمه اللّه القرآن بعد أن جاوز ثلاثين سنة في مدّة يسيرة ، وعرف من الفقه والفرائض طرفا قويّا ، وكان رحمه اللّه عالما أديبا ، وشاعرا مفلقا ، فصيح النظم ، ضخم الألفاظ ، قادرا على القريض ، متصرّفا في فنونه ، إن قصد الرقّة في النسيب أتى بالعجب العجاب ، وإن أراد الفخامة وجزالة الألفاظ في المدح أتى بما لا يشقّ فيه غباره ، وإن قصد في المراثي جاء سابقا ، والشعراء منقطع أنفاسها على أثره .
وكان مع هذا مترسّلا ذا كتابة قويّة ، وكان عفيفا شرف النفس ، عالي الهمّة ، ملتزما بالدين وقوانينه ، ولم يقبل من أحد صلة ولا جائزة ، حتّى إنّه ردّ صلات أبيه ، وناهيك بذلك شرف نفس ، وشدّة ظلف . فأمّا بنو بويه فإنّهم اجتهدوا على قبوله صلاتهم فلم يقبل .
وكان يرضى بالإكرام وصيانة الجانب وإعزاز الأتباع والأصحاب ، وكان الطائع أكثر ميلا إليه من القادر ، وكان هو أشدّ حبّا وأكثر ولاء للطائع منه للقادر ، وهو القائل للقادر في قصيدته التي مدحه بها ، منها :
هامش
( 1 ) الكامل في التاريخ 5 : 600 .
( 2 ) الكامل في التاريخ 5 : 613 .