ما ينفع الرجس من قرب الزكيّ ولا * على الزكي بقرب الرجس من ضرر
هيهات ! كلّ امرئ رهن بما كسبت * له يداه فخذ ما شئت أو فذر
يعني قبر الرشيد وقبر الرضا ؛ فهذه واحدة . وأمّا الثانية : فانّ المأمون لم يزل يطلبه ، وهو طائر على وجهه حتّى دسّ إليه قوله :
أنّى يكون ؟ وليس بكائن * يرث الخلافة فاسق عن فاسق
إن كان إبراهيم مضطلعا بها * فلتصلحنّ من بعده لمخارق
فلمّا قرأها المأمون ضحك ، وقال : قد صفحت عن كل ما هجانا به ، إذ قرن إبراهيم - يعني عمّه الّذي نصبه العبّاسيون للخلافة - لمّا جعل المأمون الرضا - عليه السّلام - وليّ عهده بمخارق في الخلافة وولّاه عهده ؛ قال عبد اللّه بن طاهر : وكتب المأمون إلى أبي أن يكاتبه بالأمان ويحمل إليه مالا ، وإن شاء أن يقيم عنده أو يصير إلى حيث شاء ، فكتب إليه أبي بذلك وكان واثقا به ، فصار إليه ، فحمله وخلع عليه وأجازه وأعطاه المال وأشار عليه بقصد المأمون ، ففعل ؛ فلمّا دخل وسلّم عليه تبسّم في وجهه ثمّ قال : أنشدني :
مدارس آيات خلت من تلاوة * ومنزل وحي مقفر العرصات
فجزع ؛ فقال له : لك الأمان فلا تخف ، وقد رويتها ولكنّى احبّ سماعها من فيك ، فأنشده إيّاها إلى آخرها ، والمأمون يبكي حتّى اخضلت لحيته بدمعه ؛ فو اللّه ما شعرنا إلّا وقد شاعت له أبيات يهجو بها المأمون بعد إحسانه إليه وانسه به حتّى كان أوّل داخل عليه وآخر خارج من عنده « 1 » .
قلت : ما أسفه الرجل ! جعل دعبلا مدخول النسب بهجوه لرجسين قتلا حجّتين للّه مع اعطاء الرجسين له شيئا من حطام الدنيا ، وقاسه الرجل على نفسه وأمثاله ممّن كانوا يقتلون أولاد النبيّين لرضى الجبّارين ولا يبالون إذا
هامش
( 1 ) الأغاني : 18 / 58 - 60 . ( طبعة بولاق ) .