لولا أن الليث بن نصر بن سيار ، تلميذ الخليل ، قد أقبل على حفظ هذا الكتاب في حياة مؤلفه ، فحفظ منه النصف . فلما مات أستاذه « أملى النصف من حفظه ، وجمع علماء عصره وأمرهم أن يكملوه على نمطه . وقال لهم : مثّلوا واجتهدوا .
فعملوا هذا التصنيف الذي بأيدي الناس » « 1 » .
وفي كتب التاريخ والأخبار ، حوادث جمة تدل على ما للتعصب من يد طولى في إحراق الكتب . ولقد ضاع كثير من الكتب بسبب الاختلافات المذهبية .
فلا يقر قرار فرقة من الفرق إلا باتلاف كتب الأخرى . وليس في الاتلاف والافناء ما هو أقوى من النار ، فإنها لا تبقي ولا تذر !
ومما ورد في كتاب إلى الخليفة القادر باللّه ببغداد ، من السلطان محمود بن سبكتكين ، انه في سنة 420 ه ( 1029 م ) ، حارب الباطنية والمعتزلة والروافض فصلب منهم جماعة ، « وحول من الكتب خمسون حملا ، ما خلا كتب المعتزلة والفلاسفة والروافض ، فإنها أحرقت تحت جذوع المصلبين ، إذ كانت أصول البدع » « 2 » .
ومما صار طعمة للنار ، كتب المانوية . فإنه في نصف شهر رمضان من سنة 311 ه ( 923 م ) « احرق على باب العامة « 3 » صورة ماني وأربعة أعدال من كتب الزنادقة ، فسقط منها ذهب وفضة مما كان على المصاحف له قدر » « 4 » .
وللجهل ضلع قوية في هذا الأمر . وسيأتي بنا في تضاعيف هذا الكتاب ، ما صنعه الاعراب سنة 483 ه ( 1090 م ) بخزانتين من خزائن كتب البصرة .
فقد عمدوا إلى احراقهما وازالتهما من عالم الوجود « 5 » .
هامش
( 1 ) بغية الوعاة ( ص 245 ) .
( 2 ) المنتظم ( 8 : 40 ) ، ومعجم الأدباء ( 2 : 315 ) .
( 3 ) أحد أبواب دار الخلافة ببغداد .
( 4 ) المنتظم ( 6 : 174 ) .
( 5 ) انظر كلامنا عليهما . الأولى بعنوان « دار كتب بالبصرة » ، والثانية « دار كتب الوزير ابن شاه مردان بالبصرة » .