العصابات ، ثم خانا ، ثم دارا للمكس ، بالوجه الذي فصلناه في مجرى بحثنا . وهي في جميع هذه التقلبات كانت في حال يرثى لها منها . فلم يكن يلتفت إلى قيمتها الآثارية ، ولا إلى الغرض الذي أنشئت له . فأدى ذلك إلى اندراس أقسام منها ، وتشعث غيرها ، حتى صارت اليوم ، وهي كما يراها الرائي ، صورة شاحبة هزيلة لتلك الغادة الحسناء التي أطنب المؤرخون في وصفها ، وتغنى الشعراء بجمالها !
ولئن مر بالمدرسة المستنصرية هذا الدور الكئيب المظلم الذي قضى على كثير من محاسنها ، أن أجل هذا الدور قد كاد ينقضي ، فالحكومة العراقية ، رأت بعد إنعام النظر تسليم هذا الأثر العباسي الجليل إلى خير من يعنى به ، ويلم شعثه ، ويصون ما تبقى منه ، ويحافظ عليه محافظة الأم الرؤوم على ولدها . أنها رأت تسليمه إلى « مديرية الآثار القديمة العامة » . وهذه المديرية ستستفرغ جهدها في المحافظة على هذا الأثر الشاخص ، وتستعمل ما في وسعها لإعادته إلى بعض ما كان عليه أيام مجده . وهي لعمري أهل لتحمل مثل هذا العبء الكبير ، خاصة بعد أن سبق لها إحياؤها بعض المخلفات الإسلامية في العراق وصيانتها من عوادي الزمان . وليس « القصر العباسي » في قلعة بغداد ، و « الباب الوسطاني » ، و « خان مرجان » ، و « منارة جامع الخلفاء » في سوق الغزل ، وغير ذلك ببعيدة عن أنظار القراء ببغداد . ففي وسع كل منهم أن يزور هذه البقايا ، ليرى بعينه ويلمس بيده الجهد البالغ في إحياء معالم هذه الآثار وصونها من عبث الدهر .
وسيأتي يوم ، ونرجو ألا يكون بعيدا ، نرى فيه المستنصرية قد بعثت فيها العناية أنوارا من سابق رونقها ، وأعادت إليها بعض جمالها ، فتبقى مفخرة الأجيال التي يعتز بها أبناء اليوم ، ويباهي بها أبناء الغد .
سومر 1 [ بغداد 1945 ] 1 ص 76 - 130 .
الذخائر الشرقية — صفحة 316
مساهمون: كوركيس عواد
ص٣١٦