في قصور الخلفاء والأمراء والوزراء . إن تلك المجاميع حوت ولا ريب كل ثمين ونفيس مما يحرص أصحابها على اقتنائه والتباهي به . ثم أخذ الناس ولا سيما أبناء الغرب ، يوسعون تلك الفكرة المحدودة في جمع التحف ، بأن أخرجوا تلك المجاميع من ملكية الأفراد إلى ملك الأمة ، وبأن جعلوا من ذلك التراث الفني الذي تضافرت على صنعه جمهرة أرباب الفن والصناعة ، ملكا للوطن . وبهذا ضمنوا له البقاء بعد أن كان معرضا للضياع والتلف ، هذا إلى أنه أصبح في وسع كل شخص أن يدرس ما شاء من تلك المعروضات ، وأن ينشر نتائج دراسته ليفيد منها المعنيون بالآثار والفنون فضلا عن غيرهم من عامة القراء .
كانت فكرة جمع التحف في صدر الإسلام ، بل في أيام الدولة الأموية ، محدودة جدا . فلما جاء العباسيون ، مالوا إلى الاهتمام بجمع التحف والآثار . وكانت تلك المجاميع التي عنوا بها تختلف باختلاف أذواق جامعيها . فقد اشتهر الخليفة الراضي باللّه بكونه اتخذ في قصره متحفا خاصا بالبلور . حتى قال فيه الصولي : « ما رأيت البلور عند ملك أكثر منه عند الراضي . ولا عمل ملك منه مثل ما عمل ، ولا بذل في أثمانه ما بذل حتى اجتمع له من آلته ما لم يجتمع لملك قط » .
وقد روى الثعالبي في كتاب « لطائف المعارف » أن المكتفي الخليفة العباسي ، ترك من الكراع والسلاح والأثاث والجواهر وعمائم مرو والحلل الموشاة اليمانية المنسوجة بالذهب وبطائن كرمان في أنابيب القصب والأبسطة الأرمنية - ترك من ذلك كله ما يعد بالآلاف .
وفي التاريخ ما ينبئ أن عضد الدولة البويهي ، خلف من الجواهر واليواقيت واللؤلؤ والماس . والبلور والسلاح وضروب المتاع شيئا كثيرا . ولمح ابن الجوزي في تاريخه الموسوم ب « المنتظم » إلى أن بهاء الدولة البويهي ، جمع من المال والتحف والألطاف ما لم يجمعه أحد من بني بويه .
وما من شك في أن كثيرا من تحف العباسيين قد آل إلى الضياع والتلف . ومما يؤسف له أن ما استجمع من بقاياها في متاحف العالم لا يبلغ إلا قدرا ضئيلا . فترى أشتات منه في متاحف لندن وباريس ورومة وبرلين واستنبول وغيرها من مدن الشرق والغرب .
الذخائر الشرقية — صفحة 244
مساهمون: كوركيس عواد
ص٢٤٤