تظهر الخرائب اليوم أكواما هائلة من الركام والأنقاض بالرغم عن إجراء التنقيبات التي توقفت منذ سنة 1917 . فلا غرابة إن بدت هذه الخرائب لعين الزائر مختلطة متشوشة يصعب عليه معرفة أقسامها وتمييز معالمها ، إلا إذا حاول الحصول على بعض المعلومات النظرية برجوعه إلى الخرائط والمخططات التي وضعت لها ، لأنه بنتيجة هذه الدراسة سيجد طريقه بين البقايا المضطربة من الأسوار والتبليطات .
1 - التحصينات الداخلية والخارجية للمدينة مجرى الفرات ، القنوات
لم تبق لنا بابل شيئا من تحصيناتها العائدة إلى الألفين الثالث والثاني قبل الميلاد ، أو بتعبير آخر أنها لم تجر فيها التنقيبات بعد على الأقل ، هذا فيما إذا سلمنا بوجودها .
أما بابل ذاتها فكانت تشتمل خلال ذلك الدور الغابر على معبد ايساكيلا وايتيمينانكي والبرج ( الزقورة ) ومحلات السكنى الواقعة عند القصر الجنوبي لنبوخذنصر . وليس بين الخرائب من هذه العمارات ما يمكن رؤيته نظرا لما هي عليه اليوم من الاضطراب والاختلاط الناجمين عن تداعيها وتساقطها على كر السنين .
وترينا الخريطة مدينة بابل بأسرها على الضفة اليسرى من الفرات ، محاطة بتحصين المدينة الخارجية التي يكتنف بابل شمالا من الجانب الواحد ويمتد نحو الفرات عند الغرب من الجانب الآخر ، فيسير إلى مسافة أربعة كيلومترات نحو الجنوب الشرقي ، ثم ينعطف بزاوية قائمة على امتداد ضلع تلك الزاوية إلى مسافة 8 ، 3 كيلومترا حتى يبلغ الفرات ، حيث تقع هنالك اليوم قرية الجمجمة . وإذا نظرنا إلى القسم الجنوبي الشرقي من هذه الخريطة ، أي بالقرب من الساحة الثلاثية الفسيحة للمدينة ، وجدنا المكان التي انطمرت فيها المدينة الداخلية ، تشبه شكلا قائم الزوايا . أما « سور » هذه المدينة الداخلية ، الذي عن يسار النهر ، فيستمر عند الضفة اليمنى مكتنفا إياها هناك بما يشبه قائم الزوايا ، وتسمى الساحة التي يسورها « المدينة الجديدة » وهي الواقعة غربا والتي لم يجر فيها التنقيب بعد . وكان لنهر الفرات تأثير هام في تعيين اتجاهات التحصينات الداخلية للمدينة الشرقية والغربية ، ذلك فضلا عن تأثيره في تعيين اتجاهات الشوارع والبنايات والقنوات التي هناك . وكان مجرى الفرات في الأزمان البابلية من الشمال إلى الجنوب ، أي كما هو عليه اليوم ، إلا أن انسيابه كان يميل نحو الشرق بأكثر مما عليه في الوقت الحاضر .