وقد أفادنا ابن عبد الحق ، أن هذا الدير ، كان يعرف أيضا باسم « دير سرجس » « 1 » .
ولما كان ابن فضل اللّه العمري ( ت 749 ه - 1348 م ) قد وصف هذا الدير ، ففي وسعنا أن نستنتج أن خرابه قد حصل من بعد ذلك التاريخ ، أي أنه خرب بعد منتصف القرن الرابع عشر للميلاد .
ومن الأخبار المتصلة بهذا الدير ، ما ذكره الشابشتي بقوله : « كان أبو علي بن الرشيد ، يلازم هذا الدير ويشرب فيه . وكان له قيان يحملهم إليه ، ويقيم به الأيام ، لا يفتر عزفا ولا قصفا ، وكان شديد التهتك ! وكان من يجاوز الموضع يشكون ما يلقونه منه . فانتهى الخبر إلى إسحاق بن إبراهيم الطاهري « 2 » ، وهو خليفة السلطان ببغداد . فوجه إليه يقبح فعله ، وينهاه عن المعاودة لمثله . فقال : وأي يد لإسحاق علي ؟ وأي أمر له في ؟
أتراه يمنعني من سماع جواريّ ، والشرب بحيث أشتهي ؟ فلما أتاه هذا القول منه أحفظه « 3 » ، وتمهل حتى إذا كان الليل ، ركب إلى الموضع ، وأحاط به من جميع جهاته ، وأمر أن يفتح باب الدير ، وينزل به على الحال التي هو عليها . فأنزل وهو سكران في ثياب مصبغة ، وقد تضمخ بالخلوق « 4 » . فقال له : سوأة لك ! رجل من ولد الخلافة على مثل هذه الحال ؟ . ثم أمر ، ففرش بساط على باب الدير ، وبطح عليه ، وضربه عشرين درة « 5 » . وقال : إن أمير المؤمنين لم يولني خلافته حتى أضيع الأمور وأهملها ، ولا حتى أدعك وغيرك من أهله تعرونه « 6 » وتفضحونه وتخرجون إلى ما خرجت إليه من التبذل والشهرة وهتك الحرم وإخراجهم إلى الديارات والحانات . وفي تأديبك صيانة للخلافة ، وردع لك ولغيرك من هذه الفضيحة . ثم أمر بعماريات « 7 » كانت معه ، فأركب فيها مع
هامش
( 1 ) مراصد الاطلاع ( 2 : 575 ) . وقد تصحفت هذه التسمية فيه إلى « دير سرخس » .
( 2 ) مات سنة 235 ه - 849 م .
( 3 ) أحفظه ، بمعنى أغضبه .
( 4 ) الخلوق : ضرب من الطيب ، يتخذ من الزعفران وغيره ، وتغلب عليه الحمرة والصفرة . ( تاج العروس 6 : 337 ) .
( 5 ) الدرة ، بكسر الدال : السوط .
( 6 ) تعرونه ، من العر والمعرة : تدخلون عليه مكروها تلطخونه به .
( 7 ) مفردها : العمارية . وهي نوع من القبة ، يوضع على بغل ، ويقعد فيه رجلان ، كل منهما في جانب . وتسمى في العراق : الكجاوة .