يجتمع أهلها إليه كاجتماعهم إلى بعض أعيادهم ، ولا يبقى أحد من أهل التطرب واللعب إلا خرج إليه ، فمنهم في الطيارات « 1 » ، ومنهم في الزبازب « 2 » والسميريات « 3 » كل إنسان بحسب قدرته « 4 » . ويتنافسون فيما يظهرونه هنالك من زيهم ، ويباهون بما يعدونه لقصفهم ، ويعمرون شطه وأكنافه وديره وحاناته . ويضرب لذوي البسطة منهم الخيم والفساطيط ، وتعزف عليهم القيان . فيظل كل إنسان منهم مشغولا بأمره ومكبا على لهوه ، فهو أعجب منظر وأطيب مشهد وأحسنه » « 5 » .
وللشعراء أبيات ومقطعات شعرية مختلفة في هذا الدير .
قال جحظة « 6 » : « خرجت في عيد من أعياد أشموني إلى قطربل ، فلما وصلت إلى الشط « 7 » ، مددت عيني لأنظر موضعا خاليا أصعد إليه ، أو قوما ظرافا أنزل عليهم ، فرأيت فتيين من أحسن الناس وجوها وأنظفهم لباسا وأطرفهم آلة . فقدمت سميريتي نحوهما ، وقلت : أتأذنون في الصعود إليكم ؟ فقالوا : بالربح والسعة ! فصعدت وقلت : يا غلام ، طنبوري ونبيذي ! فقالا : أما الطنبور فنعم ، وأما النبيذ فلا . فجلست مع أحسن الناس أخلاقا وأملحهم عشرة . وأخذنا في أمرنا . ثم تناولت الطنبور ، وغنيت بشعر لي :
سقيا لأشمونى ولذاتها * والعيش فيما بين جناتها
سقيا لأيام مضت لي بها * ما بين شطيها وحاناتها
هامش
- وهو اليوم الذي استشهدت فيه أشمونى مع بنيها السبعة . وهذا يتفق وما ذكره أبو الريحان البيروني ( الآثار الباقية . ص 310 ) . على أن البيروني ذكر أن « في اليوم الأول من آب ، ذكران شمونى مقبايا ، وقد قتل المجوس سبعة أولاد لها وقلوهم بالمقالي » ( الآثار الباقية ص 300 ) .
وهذا يوافق ما ذكره ادي شير ( شهداء المشرق 2 ( الموصل 1900 ص 432 ) من أن عيد أشمونى ، في اليوم الأول من شهر آب . أما في وقتنا هذا ، فيحتمل بعيد أشمونى في قرةقوش وبرطلي ، من بلدان العراق ، في يوم 15 تشرين الأول من كل عام وفقا للتقويم الشرقي القديم .
( 1 ) الطيارات ، واحدها الطيار والطيارة : سفن نهرية سريعة الجريان .
( 2 ) الزبازب ، واحدها الزبزب ، بفتح الزاءين المعجمتين : ضرب من السفن النهرية الصغيرة .
( 3 ) السميريات ، واحدتها السميرية ، بالتصغير : ضرب من السفن النهرية في العراق أيام العباسيين .
( 4 ) يفهم من هذا الكلام ، أن أهل بغداد ، كانوا غالبا ما يقصدون هذا الدير بطريق النهر .
( 5 ) الديارات للشابشتي . ( ط 2 : ص 46 ) .
( 6 ) شاعر مغن طنبوري مجيد ، حسن الأدب والمنادمة ، كثير الرواية للأخبار . مات سنة 324 ه - 935 م .
( 7 ) أي شاطئ النهر .