« وهذا الدير بها . وهو يجمع أحوالا كثيرة ، منها : عمارة البلد ، وكثرة فواكهه ، ووجود جميع ما يحتاج إليه فيه . ومنها أن الشراب هناك مبذول ، والحانات كثيرة . ومنها أن في هذا الموضع ما يطلبه أهل البطالة والخلاعة من الوجوه الحسان والبقاع الطيبة النزهة . فليس يكاد يخلو » « 1 » .
ومن الشعراء الذين أعجبوا بهذا الدير ووصفوه في شعرهم ، عبد اللّه بن العباس بن الفضل بن الربيع . قال فيه :
يا دير قوطا ، لقد هيجت لي طربا * أزاح عن قلبي الأحزان والكربا
كم ليلة فيك واصلت السرور بها * لما وصلت لها الأدوار والنخبا
في فتية بذلوا في القصف ما ملكوا * وأنفقوا في التصابي المال والنشبا « 2 »
وشادن ما رأت عيني له شبها * في الناس ، لا عجما منهم ولا عربا
إذا بدا مقبلا ، ناديت : وا طربا * وإن مضى معرضا ، ناديت : وا حربا
أقمت بالدير حتى صار لي وطنا * من أجله ، ولبست المسح والصلبا
وصار شماسه لي صاحبا وأخا * وصار قسيسه لي والدا وأبا « 3 »
وقد ذكر أبو الريحان البيروني ، بصدد بعض أعيان النصارى :
« أما الأعياد التي قيدتها الملكائية بأيام الأسابيع ، من غير أن يكون بينهم اشتراك أو وصلة ، فمثل ذكران « 4 » قوطا الراهب ، وهو مار سرجس ، فإنه في اليوم السابع من تشرين الأول ، إن كان أوله يوم الأحد ، وإن لم يكن ، آخر إلى الأحد الذي يتلو السابع » « 5 » .
لقد خرب هذا الدير وزال ، فلا يعرف له أثر الآن . ولعل خرابه حصل في أواخر القرن الرابع عشر للميلاد .
هامش
( 1 ) الديارات . ( ص 62 - 63 ) .
( 2 ) النشب : العقار والمال .
( 3 ) الديارات ( ص 63 ) ، معجم البلدان ( 2 : 689 ) ، مسالك الأبصار . ( 1 : 280 ) ، البدور المسفرة ( ص 24 ) ، الديارات النصرانية في الإسلام ( ص 76 ) .
( 4 ) الذكران ، لفظة سريانية الأصل ( ذكرانا ، أو ذخرانا ) . والجمع الذكارين : يوم عيد عند النصارى ، من غير أن ينقطعوا فيه عن الأشغال( Commemoration ).
( 5 ) الآثار الباقية ( ص 310 ) .