إلى نبيّ رأى ما لا رأى ملك * وقام حيث أمين الوحي لم يقم « 1 »
فابيضّ بعد سواد قلب منتصر ، * واسودّ بعد بياض وجه منهزم « 2 » .
يمّم نبيّا تبارى الريح أنمله * والمزن من كلّ هامي الودق مرتكم « 3 » .
تكاد تشهد أن اللّه أرسله * إلى الورى نطف الأبناء في الرّحم « 4 » .
تحيط كفّاه بالبحر المحيط ، فلذ * به ودع كلّ طام الموج ملتطم « 5 » .
من أعرب العرب ، إلّا أنّ نسبته * إلى قريش حماة البيت والحرم « 6 » ،
لا عيب فيهم سوى أن لا ترى لهم * ضيفا يجوع ولا جارا بمهتضم « 7 » .
عيبت عداهم فزانوهم بأن تركوا * سيوفهم وهي تيجان لهامهم « 8 » .
تجري دماء الأعادي من سيوفهم * مثل المواهب تجري من أكفّهم « 9 » .
إذا بدا البدر تحت الليل قلت له : * أأنت يا بدر أم مرأى وجوههم « 10 » !
هامش
( 1 ) الملك ( بفتح ففتح ) : واحد الملائكة . أمين الوحي جبريل . - طباق بالنفي : رأى ولا رأى ثمّ قام ولم يقم .
( 2 ) طباق : أبيض واسودّ ، سواد وبياض ، منتصر ومنهزم . وعكس ( تعبيران أحدهما ضدّ الآخر ) .
( 3 ) يمّم : اقصد . تبارى : تنافس ، تسابق . أنمله : أصابعه ( يده ، كناية عن الكرم ) . المزن : المطر . هامي الودق ( البرق ) : الماء الساقط من السحاب بعد البرق ( ويكون عادة غزيرا ) . مرتكم : السحاب المتراكم ( فيه ماء كثير ) . - مبالغة ( لأنّ الإنسان لا يمكن أن يكون أكرم من المطر الذي هو من كرم اللّه ! ) .
( 4 ) الورى : البشر ، مجموع الناس . النطفة : ماء الرجل قبل أن ينعقد في رحم المرأة ليصبح جنينا . - مبالغة وغلوّ . . . . .
( 5 ) البحر المحيط : الأقيانوس ، البحر العظيم . لاذ يلوذ : لجأ . دع : اترك ( الاستقاء ) من كل طامي الموج ( البحر المملوء بالأمواج ) . ملتطم : يضرب بعض موجه بعصا . - مبالغة .
( 6 ) من أعرب العرب : من أنقى العرب نسبا . - تأكيد المدح بما يشبه الذمّ ( انتقل هنا من مجموع العرب إلى قبيلة منهم ) .
( 7 ) مهتضم : مظلوم . - تأكيد المدح بما يشبه الذمّ ( لا عيب فيهم : مدح . ضيفهم يجوع : ذمّ . ضيفهم لا يجوع :
يشبه الذمّ ) .
( 8 ) الهامة : الرأس . المقصود هامهم تيجان لسيوفهم . - تأكيد الذمّ بما يشبه المدح . تزيين السيوف برءوس الأعداء ذمّ للأعداء ، ولكنّ ظاهره ( زانوا ، زيّنوا ، تيجان ) مديح .
( 9 ) المواهب : العطايا . - استتباع : جعل الشاعر جري المواهب من الأكف ( وهو مجاز ، استعارة ) مثل جري الدماء من السيوف ( وهو حقيقة ) .
( 10 ) تجاهل العارف : هو يعرف أن الذي يراه هو بدر السماء ، ولكنّه يتجاهل ذلك ( وهو عارف بالحقيقة ) لأنّ وجوههم أجمل من البدر .